رحلة شاقة مع اللاجئين من تركيا إلى المجر بحثا عن الحرية

229

إسطنبول (تركيا اليوم) أصبحت تركيا نقطة تلاقي الكثير منهم، غايتهم الحصول على السلام والخبز والحرية، وجهتهم واحدة الوصول إلى أوروبا. يضحون من أجل العبور من سواحل بحر إيجة إلى جزر اليونان، يدفعون أموالا طائلة لتجار البشر، فيخوضون مع أطفالهم وشبابهم وعجائزهم رحلة بحرية يتحدون فيها الموت.

 عاشت صحيفةزمان التركية 10 أيام من هذه الرحلة الشاقَّة التي تستغرق ما بين 20 أو 40 يوما من تركيا إلى أوروبا حيث استمعنا إلى مهاجري هذا القرن الجديد أثناء رحلاتهم الحزينة من بلاد بعيدة إلى أوطانهم المجهولة الجديدة. فقد ذهبنا من مدينة بودروم التركية إلى جزيرة كوس اليونانية، ومن سالونيك إلى بلجراد.

أصعب مرحلة في رحلة اللاجئين التي خاضوها واضعين الموت نُصب أعينهم، هي عبور بحر إيجة. فمسافرو الأمل يركبون الزوارق المطاطية دون أمان على أرواحهم لينتقلوا من السواحل التركية إلى جزيرة كوس (إيستان كوي) وميديلّي على الأغلب.

فعلى سبيل المثال اللاجئة هدى مطر (24 سنة) التي دفعت مع زوجها 1400 دولار لتجار البشر لقاء الانتقال من بودروم إلى كوس على متن زورق مطاطي برفقة 23 آخرين، وجدناها تمسح دموعها في ساحل كوس وهي تتذكر ساعات الخوف التي أمضتها في عُرض البحر. وكان الزورق قد انقلب في البحر فسارعت قوات خفر السواحل التركية للإنقاذ وأوصلتهم إلى البر، وقالت هدى مطر الدمشقية وزوجها الحلبي مأمون: “ما كان بوسعنا أن نعود لأنه لم يبق لدينا بلد ننتقل إليه. لكننا لن نجرب مثل هذه الرحلة ثانية”.

وكنت قد التقيت بهدى مطر ثانية في مخيم برشوفا بصربيا على بعد ما يقرب من 1300 كم. فقالت لي: “إن تركيا بلد جميل، ولكنها صعب المعيشة بالنسبة للاجئين.

كما أن جزءا من ساحل كوس الممتد على طول كم واحد ممتلئ بالزوارق المنفجرة أو المثقوبة والقوارب المنقلبة على جانبها وسترات النجاة والألبسة والأحذية.

فنجد الخيم واللاجئين المرهقين على طول الشاطئ. فهنا تبدأ أولى خطوات الأمل نحو أوروبا، ويعيشون أولى تباشير الصباح التي تعكس انتهاء أيام المحن والإرهاق.

ومنهم من جاء إلى تركيا عابرا فقط، ومنهم من حاول العيش فيها لسنوات. لكن كثيرين منهم يقيمون في تركيا مدة من الزمن ويتعلمون اللغة التركية، ومن ثم يرحلون إلى السواحل المقابلة. ومع وجود أسباب خاصة بكل شخص منهم إلا أن الأسباب المشتركة التي دعتهم لترك سوريا وتركيا هي نفسها: الحرب والبطالة والعمل لساعات طويلة بأجور متدنية وعدم حصولهم على مستحقاتهم والعوز والفقر وغلاء المعيشة.

وأكثر ما يشتكي منه اللاجئون الذين أقاموا وعملوا في تركيا هو العمل بأجور متدنية، حيث أفاد اللاجئ الباكستاني فهيم خان وهو من بيشاور التي تبعد عن باكستان 5 آلاف كم، بأنهم كانوا يعملون أربعين يوما ويحصلون على أجر ثلاثين يوما، وأحيانا لا يحصلون على ذلك أيضا.

وتابع فهيم خان حديثه عن الأيام التي عاشها في تركيا: “كنت أعمل في سوبر ماركت، ولذلك كنتُ أحصل على مرتبي بشكل منتظم. ولكن أصدقائي ظُلموا كثيرا.

وأضاف: “لقد اشتريت زورقا مطاطيا مع 5 أصدقاء بألف و200 ليرة تركية، وجئنا بأنفسنا إلى جزيرة كوس دون أن ندفع مالاً لأحد.

ومن جانبها تسجل الحكومة اليونانية بيانات اللاجئين عن طريق الشرطة في كوس، وبعد ذلك ترسلهم بالسفن إلى أثينا. ويسد اللاجئون احتياجاتهم عن طريق معونات المتطوعين والمساعدات الدولية، ومساعدات أهالي الجزيرة.

فالأهالي يتسابقون لمساعدة اللاجئين، وحتى لو لم يجدوا شيئا فإنهم يشترون كميات من التفاح والموز لتوزيعها على المحتاجين. ويملؤون سياراتهم بأثاث منزلي جديد أو مستعمل ليستخدمه الضيوف المقيمون لمدة قصيرة كي يغادروا الجزيرة بأحاسيس جيدة وذكريات جميلة.

في حين أن المتطوعين القادمين من بلدان مختلفة يسارعون إلى تقديم المساعدات كلٌّ حسب اختصاصه، فالممرضة السويدية أنّا ويرنيرليف وصديقتها الهولندية إليزابيث دي بوك تعملان ليل نهار من أجل اللاجئين. فحقيبتها الطبية تُفتح باستمرار، وكثيرا ما تقوم بالإسعافات الأولية.

ومن أكثر أعمالها الاعتيادية تلقيح الأطفال وتقديم الأودية في حالات المرض الخفيفة. وقالت إنها خصصت نصف عطلتها السنوية من أجل اللاجئين، وإنها تشعر بالسعادة لذلك.

في حين أن أغلب اللاجئين الذين جاؤوا من بلدان إسلامية لا يشعرون بالغربة حين يرون الجوامع الباقية من العصر العثماني والسياح الذين يعيشون مثلهم.

كما أن إمام جامع دفتردار محمد شاكر أوغلو لم يخف سعادته الناجمة عن إقامة صلاة العيد مع اللاجئين وزيادة عدد صفوف المصلين في صلاة الجمعة. وقد أفاد شاكر أوغلو بأنه ألغى صلاة الجمعة مرات عدة لعدم وجود 3 مصلين لإقامة صلاة الجماعة، وقال: “جاء اللاجئون فازدان بهم جامعنا”.

تقل المسافة بين بودروم التي تُعد أحد أهم المواقع السياحية والترفيهية في تركيا، وبين جزيرة كوس في بعض الأماكن إلى عدة كيلومترات فقط. لذا فالسفن تصل إليها خلال 25 أو 45 دقيقة. أما الزوارق المطاطية التي تحمل ما يفوق طاقتها من اللاجئين، وبالتالي تكون رحلتهم شاقة وقد تطول مدتها بسبب أحوال الطقس إلى 4 أو 5 ساعات وأكثر من ذلك أحيانا. لكنهم ينسون تعبهم عندما يطلقون صيحات الفرح بوصولهم إلى اليابسة.

وفي بعض الأحيان يصل 700 مهاجر في اليوم الواحد إلى كوس التي تستخدمها الحكومة اليونانية كمركز للانتقال. ويستخدم الفارون في عبورهم من بودروم إلى الطرف المقابل الشريطَ الساحلي الممتد بين أورتاكنت وياهشي وحي تورجوت رئيس.في حين كان مركز اجتماعهم السابق ولقائهم بتجار البشر هو محطة حافلات بودروم.

وتباع في أسواق بودروم الزوارق المطاطية وسترات النجاة وغيرها من الأدوات بأسعار باهظة لرواد الرحلات الخطيرة. إلا أن التجمع غير الإنساني في محطة حافلات بودروم والقاذورات تتسبب بانتشار الأمراض بين اللاجئين.

وبلغ عدد اللاجئين إلى أوروبا هذا العام (2015) حتى الآن قرابة 500 ألف لاجئ، 200 ألف لاجئ منهم سوريون. وهم على الأغلب ينتقلون من تركيا إلى اليونان فمقدونيا فصربيا فالمجر فكرواتيا فسلوفينيا.

كما أن اللاجئين لا يدخلون من المنافذ الحدودية الرسمية ونقاط الجمارك كالمسافرين العاديين الذين يحملون جوازات سفر وتأشيرات دخول. بل تُسجل أسماؤهم وبياناتهم في مركز محدد للتجمع، ومن ثم يتم تسليمهم لشرطة الدولة المجاورة عن طريق معبر فُتح  خصيصا لهم.

وكانت غيثة (18 سنة) وزوجها حميد قبضاي (22 سنة) يحملان ابنتهما “بنازير” (بعمر شهرين) وينتظران دورهما في منفذ إيدومني دون أن يعلما بما يجري. ولما سألناهما عن سبب هجرتهما فقال الأب الأفغاني قبضاي مشيرا إلى طفلته التي في حضن أمها: “من أجل مستقبلها، ومن أجل حياة كريمة”.

أما الإيرانية ليلى سرايي التي خرجت مع زوجها المدرس في رحلة الأمل، فقالت: “رحلنا من أجل حريتنا”. وتشير إلى أن أحلامها ليست كثيرة بعد الوصول إلى ألمانيا التي تسعى للإقامة فيها. وتابعت: “نريد حرية وعملا وطفلا”.

وأول محطة للاجئين بعد انتهاء الرحلة البحرية وبدء الرحلة البرية وتوديع اليونان هي بلدة جيفجيليجاGevgelija الحدودية في مقدونيا.حيث يمشون مسافة كيلومتر واحد ليصلوا إلى مركز مؤقت أُقيم بجانب الطريق الحديدي. وتُوزَّع هنا أولا المواد الغذائية، والبطانيات بسبب برودة الليالي، والألبسة لمن يحتاجها.

في حين أن أكثر شيء يرغب به اللاجئون في الخيم التي نصبتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هو المآخذ الكهربائية من أجل شحن جوالاتهم. فكل واحد يريد أن يرسل رسالة إلى أهله وذويه يقول فيها: “نحن سالمون، وما زلنا في طريق السفر”.

ولكن رياح البلقان الباردة تهب وتزداد برودةً.في حين أن بكاء الأطفال يوقظ النيام في الليالي الطويلة. أما الأطفال الذين اختلت ساعات نومهم فيلعبون في خيم الألعاب المخصصة لهم.

ومع انتهاء أشهر الصيف يزداد عدد اللاجئين. ولكن مع اقتراب أشهر الشتاء سيواجه اللاجئون رحلة أكثر صعوبةً وحياة أكثر شقاءً.

أما مخيم بريشوفو الذي جُهِّز للاجئين في صربيا بالقرب من حدود مقدونيا، فما عاد يجدي نفعا بسبب شدة الازدحام. حتى إن تسجيل بيانات آلاف اللاجئين في المخيم لا يقوم به سوى عدة موظفين فقط. وكلما طالت الإجراءات ينفد صبر اللاجئين. ويتفطر القلب على النساء اللواتي يقلن: “حرام عليكم، فمازلنا ننتظر هنا منذ الصباح”، وعلى الآباء الذين يُغمى عليهم من شدة التعب، وعلى الأطفال الذين يبكون. كما أن الطفل فهد وعشرات الأطفال الذين ينامون على وجوههم في الأرصفة، ويذكروننا بالطفل أيلان الذي قذفته الأمواج إلى ساحل بودروم، يعانون من خطر الإصابة بالأمراض.

أما اللاجئون الذين بقوا خارج المخيم فيسدون جوعهم عن طريق أشجار الفاكهة المنتشرة في المنطقة، أو يقذفون ثمار الجوز بأحذيتهم لتتساقط فيأكلونها.

ومن جانبها قالت الموظفة في المخيم جيلينا سورلان: “لقد جاء أكثر من ألفي لاجئ دفعة واحدة من مقدونيا. ونحن نقدم الخدمات على مدار الساعة، ولكن ذلك لا يكفي”.

ولم يكن في هذه البلدة سوى 20 شرطيا للقيام بضبط الأمن والسلامة، ولكن مع قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين، تطلب المدد من قوات الشرطة والدرك في المحافظات القريبة. علما بأن اللاجئين القادمين إلى المخيم تُؤخذ بياناتهم وبصماتهم، ويُمنحون تصريحا مؤقتا من أجل العبور. 

ومن ثم يتجمع اللاجئون الذين سدوا احتياجاتهم من الحمامات والطعام، مرة أخرى للمغادرة مع قوافل اللاجئين، فيركبون الحافلات التي استأجرتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو يركبون وسائل نقل خاصة بأموالهم، وبعدها يتجهون إلى كرواتيا.

وأفاد يعقوب كير الذي ينظم الشباب في جمهورية التشيك عبر الفيسبوك، ويسارع إلى مساعدة اللاجئين في المنفذ الحدودي: “إن هذا المكان جزء من صربيا، ولكن يوجد موظفون أو شرطة من الصرب. فلا يوجد أحد غير المتطوعون أمثالنا ومنظمات المساعدة التابعة للأمم المتحدة”. فهم حصلوا على إذن للبقاء عدة أيام.

فالشبان التشيكيون الذين نظموا أنفسهم عن طريق الفيسبوك يحضرون للاجئين الماء والطعام والثياب، ومن ثم يسلمونهم للشرطة الكرواتية.فتعمل قوات الشرطة على صف اللاجئين اثنين اثنين. وبعد ذلك سيقطع اللاجئون مسافة 3 كم للوصول إلى مركز آخر للشرطة، وأخيرا إلى مخيم اللاجئين.

كما أن المئات من قوافل اللاجئين تقطع حقول الذرة والأراضي الزراعية، وتسير من الصباح حتى المساء. وكان المغني الكردي محمد حسو من بلدة قامشلي يودّع آخر قافلة بأغنية مفعمة بالعواطف:

هل تسمعينني يا أمي!

فليأتِ الطبيب يا أمي

إن همي كبير يا أمي

لستُ حرا يا أمي وهذا يؤلمني كثيرا يا أمي

أين يداك البيضاوين يا أمي؟

ثم يضرب التراب بيده ويقول: “هنا الوطن الآن، غدا سينتقل الوطن إلى موقع آخر، في الحقيقة ليست لنا وطن. فلا أم لنا ولا أب ولا بيت! فالحياة على حالها سواء وُجد المال أو لم يوجد المال، وربما الحياة أجمل بعدم وجود المال. إن الموسيقي الكردي محمد حسو الذي يعتبره الأكراد موسيقيا محترفا وقد تأثروا به كثيرا، كان ينوي الذهاب إلى ألمانيا. وهناك سيعيش مع أطفاله الثلاثة الذين ينتظرونه مع زوجته. وقد يعمل موسيقيا أو يعمل مصمما كما عمل في إسطنبول لمدة سنة ونصف.

يُذكر أن التدابير الأمنية مشددة أكثر في المخيمات في كرواتيا مقارنة بالمخيمات الأخرى، والصحفيون يُمنعون من دخول المخيم. وبعد أخذ البيانات كما في المخيمات السابقة يتم نقل اللاجئين وسط إجراءات أمنية مشددة إلى محطة القطارات في بلدة توفارنيك بالقرب من المخيم. حيث يركب اللاجئون في عربات القطار ويتوجهون إلى النمسا أو المجر. وينتظر اللاجئون 5 ساعات في المحطة وهم يعانون الجوع والعطش. والجميع يندهشون حين يعلمون أن الشخص الذي يمدهم بالطعام والشراب هو الملحن السوري مالك جندلي.

وكان السوري رسول ظاظا (23 سنة) الذي التقيت به من قبل في جزيرة كوس قد عبر عن معاناة اللاجئين الذين ينتظرون القطار لساعات، بقوله: “عملتُ في إسطنبول مدة سنة ونصف، لكنني لم أوفق في ذلك. لذا قررت الرحيل عن طريق بودروم. فوصلت إلى هنا. لقد قُصف بيتي، واستُشهد أخي الصغير في سوريا. ولا توجد في سوريا كهرباء ولا ماء ولا حياة. فقد كانت المعيشة صعبة في سوريا. كل شيء موجود ولكن باهظ جدا. أما جندلي فقد ظهر في عربة القطار وحاول أن يخفف عن اللاجئين بقوله: “تحملوا، واصبروا، فلم يبق إلا القليل”.

كما أنه يجمع مطالب اللاجئين ويوصلها إلى موظفي المنظمات الخيرية الدولية، ويقول: “الناس في هذا القطار هم عائلتي”، ويضيف: “يوجد في هذا القطار أطباء وفيزيائيون وموسيقيون وصحفيون! ولكننا نقول إنهم لاجئون. فهم بشر”.

وكان جندلي من أوائل الفنانين الذين عارضوا النظام السوري في بداية الثورة السورية في 2011. صحيح أنه كان يعيش في أتلانتا (أمريكا) ولكن عائلته كانت تعيش في حمص عاصمة الثورة السورية التي عانت أشد ويلات الحرب. وكانت آخر زيارة قام بها إلى بلده في 2012. وهدفه الآن هو تقديم المساعدات ومد يد العون للمتضررين من ضحايا الحرب كما جرى في أوكرانيا.

ثم يأتي دور المجر. فالمنافذ الحدودية هادئة. حيث تنتشر الدبابات والوحدات العسكرية في المنطقة، ما يعطينا فكرة كافية عن الوضع الأمني هناك.

وهناك معمعة أخرى في سهل موهاج الذي شهد الحروب التاريخية، فثمة عمل مكثف في الحدود الكرواتية التي تشير عليها أحجار بسيطة.

فهل سيقف الجنود الذين يمدون الأسلاك الشائكة على الحدود، وألمانيا التي تهدد بتطبيق نظام جمركي صارم، وتزايد التيارات القومية المتعصبة كسد منيع أمام تدفق نهر من اللاجئين الذي يجري من الشرق إلى الغرب؟ وإن أحوال اللاجئين الذين خاضوا رحلة الأمل من الشرق إلى الغرب أصعب من أي وقت مضى.

CEVAP VER