تركيا: أزمة روسيا ومقتل ألتشي وتأشيرة أوروبا

36

إسطنبول (تركيا اليوم) – عاشت تركيا الأسبوع الماضي أحداث وتطورات متلاحقة في الساحة السياسية لم تشهد لها مثيلا في الأعوام الماضية.
فمن ناحية، عاشت تركيا صدْمات ارتداديّة مع روسيا بسبب أزمة الطائرة التي أسقطتها لانتهاكها أجوائها، ومن ناحية أخرى، أدّى مقتل طاهر ألتشي رئيس نقابة المحامين في مدينة ديار بكر جنوب البلاد والاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي بشأن إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول للاتحاد الأوروبي مقابل وقف تدفق اللاجئين، إلى بلورة أبرز القضايا والموضوعات في البلاد.

ويواصل كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء ديمتريميدفيديف الإدلاء بتصريحات متتابعة شديدة اللهجة حول الأزمة الدائرة مع تركيا عقب إسقاط الأخيرة إحدى مقاتلاتها على الحدود السورية.

غير أن الجانب التركي يبدي رغبة في إنهاء هذه الأزمة في أسرع وقت. فيما تقوم روسيا، من ناحية أخرى، بالدفع بالأوراق الرابحة الموجودة لديها إلى المنطقة رويدًا رويدًا.

ولاشكّ في أن أكبر الأوراق الرابحة الموجودة لدى روسيا التي يمكنها استخدامها ضد تركيا ترتكز في معظمها على الإجراءات الاقتصادية، فروسيا هي أكبر مستورد لمنتجات الأغذية التي تشكّل فرص عمالة كبيرة في تركيا. وإذا ما قامت روسيا بوقف استيراد الفاكهة والخضراوات سيواجه مئات الآلاف من المنتجين في تركيا مواقف صعبة للغاية.

أما الورقة الرابحة الثانية التي من الممكن أن تستخدمها روسيا ضد تركيا، فهي السياحة. إذ قدِم من هذه الدولة العام الماضي نحو 3.5 مليون سائح بالرغم من الأزمة الاقتصادية في روسيا، وكسبت تركيا إيرادات من هذا القطاع بنحو 4 مليارات دولار.

وفي المقابل لم تدفع تركيا حتى هذه اللحظة بأي من أوراقها ضد روسيا. ولاشكّ في أن أكبر الأوراق التي من الممكن أن تستخدمها تركيا هي استثمارات روسيا في المجال النووي. ذلك أن إلغاء هذه الاستثمارات البالغة 25 مليار دولار قد تكون بمثابة ضربة قوية لروسيا. ولا يعرف الخبراء إلى أين ستصعد روسيا من حدة التوتر لكنهم يؤكّدون أن تركيا ستتكبد أضرارًا جسيمة من هذه الأزمة.

الجرائم مجهولة الفاعل.. هل تعود إلى تركيا مجددا؟

حصل حزب العدالة والتنمية الحاكم على دعم من الشعب بزعمه أنه في عهد حكومته أنقذ تركيا من الجرائم التي قُيدت ضد مجهول التي كانت تموج بها تركيا في عقد التسعينيّات. غير أن الأجهزة الأمنية في تركيا لم تعثر حتى الآن على مرتكبي 208 جرائم قتْل قُيدت ضد مجهول في السنوات الماضية. وكان آخر هذه الجرائم مقتل طاهر ألتشي أحد أشهر المحامين الأكراد يوم السبت الماضي.

وقُتِل ألتشي الذي يحظى بتعاطف كبير لدى الرأي العام التركي بفضل آرائه المعتدلة التي كان يدلي بها لا سيّما في المسألة الكردية في أثناء مؤتمر صحفي بديار بكر بسبب اشتباكات مسلحة وقعت بين إرهابيي منظمة حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن. إلا أن الرأي العام يعتقد أن الاشتباكات أمر مصطنع، وبالتالي فإن مقتل طاهر ألتشي كان مخططًا له من قبل.

ويمكن القول إن عدم العثور على مرتكبي الهجمات التي وقعت أمام الكاميرات يعزز من هذه الادّعاءات. ويفسر خبراء جريمة ألتشي إلى جانب الاشتباكات المتواصلة في المناطق ذات الأغلبية الكردية بظهور الدولة العميقة مجددًا على الساحة.

هل تصبح تركيا “مركز شرطة” لحماية الاتحاد الأوروبي؟

شهدت قمة تركيا والاتحاد الأوروبي يوم الأحد الماضي في العاصمة البلجيكية بروكسل قرارات تاريخيّة، لاشكّ في أن أبرزها هو الحيلولة دون تدفق اللاجئين إلى دول أوروبا والموافقة على إعفاء الأتراك من تأشيرة الاتحاد الأوروبي وهو الحلم الذي يروادها منذ نصف قرن من الزمان شريطة قبول اللاجئين وإيوائهم في أراضيها.

وأثارت موافقة ألمانيا فجأة على هذا الشرط مع أنها تعارض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الكثير من علامات الاستفهام في الأذهان.

وستضطر تركيا، بموجب الاتفاق، إلى إيواء ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ على أراضيها مقابل حصولها على ثلاثة مليارات يورو، وفي حال التزامها بالوفاء بـ72 شرطًا سيتمكن الأتراك من دخول أوروبا دون تأشيرة الشنجن اعتبارًا من شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

إلا أن المراقبين والمتابعين عن كثب لمغامرة تركيا مع الاتحاد الأوروبي يقولون إن أوروبا لن تسمح لمواطني تركيا بالسفر بكل هذه السهولة. ذلك أن في حال اعتراض أية دولة من دول الاتحاد، وعددها 27 دولة، سيصبح حلم تركيا سرابًا. فضلًا عن أن الخبراء يرون أن كلا من
فرنسا وقبرص اليونانية سيعترضان على هذه الأمر أكثر من ألمانيا التي تعترض بشدة على عضوية تركيا في الاتحاد.

وجملة القول هي أنه على الرغم من وجود الكثير من النقاط التي لا تزال غامضة في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، وصف رئيس الوزراء
أحمد داود أوغلو الاتفاق بـ”التاريخي”، معلنًا أن تركيا اقتربت خطوة نحو حلمها الذي يراودها في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

يوم أسود للصحفيين!

وثمة إجراءات وتطورات دنست بصورة كبيرة شهادة حرية الصحافة والفكر في تركيا ألا وهي اعتقال جان دوندار رئيس تحرير صحيفة “جمهوريت” إحدى أبرز الصحف اليسارية في البلاد ومدير مكتب الصحيفة بأنقرة أردم جول. وبررت الحكومة التركية قرار الاعتقال بأنهما نشرا أخبارًا وتسجيلاً مصوراً تتعلق بشاحنات تابعة لجهاز المخابرات التركية ثبت رسميًا أنها كانت تقل أسلحة إلى منظمات في سوريا.

ويمكن القول إن صمت الاتحاد الأوروبي الذي أعطى تركيا درسًا في حقوق الإنسان والديمقراطية على حبس عدد كبير من الصحفيين والكُتّاب بصورة غير قانونية من أجل مصالحه هو موقف يحمل الكثير من العبر والدلالات.

CEVAP VER