رئيس اتحاد المحامين بتونس: التوافق وطول النفس من أسباب نجاح الثورة

25

تونس (تركيا اليوم) – اعتبر محمد فاضل محفوظ رئيس اتحاد المحامين في تونس أن الاتحاد كان إحدى المؤسسات التي ساهمت في إعداد أول دستور ديمقراطي في البلاد، و أكد أن الدستور الجديد يشكل أخطر مراحل الثورة التونسية.

وقال محفوظ في حوار مع صحيفة” زمان عربي” إن المحامين كانوا دائما طليعة الصفوف في جميع المعارك التي خالشعب التونسي بدءا من معركة التحرير ضد الاستعمار إلى المعركة ضد الاستبداد. ثم في الثورة حيث كانوا القوة الأولى التي خرجت إلى الشوارع في القصرين وسيدي بوزيد وصفاقس والعديد من المدن وأخيرا أمام وزارة الداخلية في 14 يناير ثم شاركوا في المراحل الانتقالية في المؤسسات المؤقتة التي انبثقت عن الثورة. وشاركت في عملية الحوار الديمقراطي، وشاركت أخيرًا في الحوار الوطني الذي توج بجائزة نوبل للسلام. وهذه الجائزة لها دلالات عميقة، ولها رسالة واضحة، ليس للمنظمات الأربع المشاركة في الحوار، ولكن للمجتمع المدني القوي والطبقة السياسية القوية.

ورأى محفوظ أن هذا التمازج هو الذي أدى إلى هذا النجاح وأن كل الخلافات يمكن أن تحل بالطرق السلمية دون عنف. الوفاق ثم الوفاق ثم الوفاق، والتنازلات، والمفاوضات، والصبر على بعضنا البعض؛ والحمد لله كان الدور الرباعي في المثابرة والإقناع والتوصل للنتائج المرجوة، والمتمثلة في ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن والمرور إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، وكذلك تكليف حكومة كفاءات وطنية وإكمال الدستور وإنشاء الهيئة العليا للانتخابات للإشراف على العملية الانتخابية لتكون شفافة ونزيهة. كل هذا تم بالاتفاق بين الأطراف. وكل حزب يحاول تحسين شروط التفاوض. ونحن كمنظمات مجتمع مدني كنا نحاول فهم تلك الأحزاب، إلى أن توصلنا لحل نهائي، وأدى ذلك إلى حصولنا على جائزة نوبل للسلام.

وإلى نص الحوار:

ما هو العنصر الأساسي في التوافق؟

الوفاق هو آلية اتخاذ القرار. ثمة قرار الفرد وقرار مبني على التصويت وقرار توافقي. هو طريقة لإيجاد حل وللوصول لقرار معين، يحظى بموافقة كبيرة حتى وإن لم تعجب البعض ممن شارك في القرار. مثال: اختيار السيد مهدي جمعة لقيادة المرحلة الانتقالية وإيصال البلاد للانتخابات، هذا الشخص لم تكن محل إجماع، وإن كنا اعتمدنا مبدأ التصويت ربما لم يكن تمكن من الوصول إلى سُدة الحكم. فالقرار اتخذ رئاسيًا. هناك مجموعة اقترحت اسمه وكانت مُساندة له، ومجموعة أخرى لم تكن راضية عنه ولكنها لم تعترض حتى يتم استبعاده؛ هذا هو التوافق.

من أهمّ شروط التوافق التعارف المتبادل كيف نجحتم في ذلك؟

كما قلتُ في بداية الحديث فإن المحاماة التونسية ليست غريبة على المشهد السياسي. وبالتالي فتواجدها في الحوار الوطني لم يتطلب منا وقتاً لمعرفة بعضنا البعض، كنا نعرف بعضنا البعض، نعرف من هو الباجي قايد السبسي ومن هو راشد الغنوشي وأحمد نجيب وكل الأشخاص الآخرين. فالتقارب لم يكن صعبًا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى ليست معرفتنا ببعض، ولكن تحديد الخارطة المؤدية إلى الهدف. لأن الهدف كان تمازج الطبقة المدنية والطبقة السياسية من أجل تحديد هدف أسمى متمثل من الخروج من المؤسسات المؤقتة والعبور للمؤسسات الدائمة. وكذلك كيفية إيجاد المخارج بأقل التكاليف وأيسر الظروف، ومواطن الخلاف كانت في هذه النقطة. وثمة مسائل كان يجب أن تحدث في نفس الوقت خاصة إكمال الدستور والمحافظة على المجلس الوطني التأسيسي، وتولي الحكومة الجديدة تأمين حياد الإدارة تجاه العملية الانتخابية واتخاذ بعض الإجراءات العاجلة. كل ذلك تطلب أسابيع وأشهر وساعات وليالي للوصول لاتفاق معين. والدستور كان له مشروع من المجلس الوطني لم يحظ برضاء الطبقة المدنية ولا السياسية. ولما جاء الحوار الوطني شكّل هيئة للتوافق توصل المعلومة للمجلس الوطني التأسيسي الذي به لجنة للبرلمانيين، وكانت عملية أخذ ورد من أجل إقناع الطبقة المدينة والسياسية، وهذا ما حصل وأدّى إلى الدستور، وهو يحتوي على أهم المبادئ الأساسية للحقوق والحريات والاعتراف بدور المرأة واستقلالية القضاء إلخ. ويمكن القول إن هذا الدستور فخر لتونس رغم الثغرات التي يمكن تداركها لاحقًا.

عندما شرعتم في إعداد الدستور هل استفدتم من دساتير بعض البلدان خاصة أو هل تلقيتم دعماً من خارج البلد؟

أهل تونس وخبراء تونس هم الذين وضعوا هذا الدستور، ولكن وضع الدستور لا يمنع من الاستعانة بآراء خبراء في هذا الشأن، وكنا مطلعين –سواء نحن في هيئة المحامين أو في مجلس الحوار الوطني أو الأحزاب السياسية أو خبراء تونس- لا يمنع من الاستفادة من التجربة البرتغالية والإسبانية والعديد من التجارب، وبخاصة الدول التي مرت بالانتقال الديمقراطي. كل هذه التجارب لها دساتير إثر التجربة الانتقالية، ونحن في تونس لدينا تجربة دستورية عريقة، لأن تونس تقريبًا أول دولة عربية تضع دستوراً منذ 1861، والدستور قبل الثورة لم يكن دستورًا تعيسًا، ولكن الممارسة السياسية هي التي أفسدت ذلك الدستور، ولدينا خبراء مشهود لهم في العالم، وعرفنا أنه كيف يمكن أن يكون دستورًا جيدًا لا ينجح بسبب الممارسة السياسية. من خلال كل ذلك توصلنا لتوافقات في دستورنا الحالي.

من الذين لعبوا دوراً في إعداد الدسور التونسي؟

وقْع الطبقة المدنية كان له تأثير خاص، لأن السياسيين نعرفهم ونعرف تفكيرهم. أما الطبقة المدنية فكان دورها في مجلس الحوار المدني الذي كان مكونًا من 22 حزبًا و4 منظمات –هي منظمات عريقة في تونس- فكان يقبل لهذه الطبقة والمنظمات، وبالتالي كان أول عمل للمنظمات أظهرت أنها تقف على نفس المسافة من كل الأحزاب وليس تغليب مصلحة حزب على آخر، ولم يشعر أحد بذلك، لأننا كنا صادقين، والهدف كان إنهاء المرحلة الانتقالية. وبعد ذلك هي تفاصيل، ولكن عرفنا بحمد الله أن نمر إلى هذه التفاصيل وأن نوجد الحلول.

هل هناك احتمالية لعودة النظام القديم؟

لا، النظام القديم انتهى. نظام زين الابدين بن علي ومقوماته تفككت، وأصبحت هناك في تونس طبقة مدنية وسياسية قوية، وننبه دومًا إلى احترام الدستور والحريات قبل الخبز. فالشعب التونسي لن يقبل للارتداد إلى الماضي، ولن يسمح بذلك بتاتًا. اعتقادي أننا حققنا العبور. عبرنا من مرفأ إلى مرفأ.

ما الذي تنتظرونه من الأحزاب السياسية؟

الآن المعطيات تغيرت، وأصبحت لدينا مؤسسات وقوانين ودستور، وبالتالي أن تبقى الأحزاب مؤتلفة أو مختلفة لا يمثل إشكالاً، هذا ما يحدث في ديمقراطيات العالم، وخاصة الديمقراطيات البرلمانية، فعام تأتلف وعام تختلف. والحكومات تتشكل وتسقط بعد عام، لكن ذلك لا يؤثر في المؤسسات القائمة. والمطلوب الآن من الحكومة الموجودة أو التي ستليها القيام بإصلاحات اقتصادية والنفاذ للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لأنها مشكلة كبيرة جدًّا. وعلى التونسيين أن يجتهدوا ويصبروا ويحترموا قيمة العمل. وعلى الشعوب الصديقة والشقيقة مساعدة هذه التجربة، فلو ساعدونا في الجانب الاقتصادي والاجتماعي فيمكن لهذه التجربة أن تتطور.

هل تقارنون بين أحداث مصر وتونس؟

أنا عندي قراءة مختلفة لهذه الأمور، فتجربتا مصر وتونس ليستا متماثلتين؛ فمصر بها 100 مليون مواطن وتونس 10 ملايين. ثم إن تاريخ البلدين يختلف أيضًا بالرغم من أننا شعوب عربية. وتجربة النهضة في تونس ليست كتجربة الإخوان المسلمين في مصر، فكل شيء مختلف. وبالتالي لا يمكن المقارنة، ولكن الاتعاظ. ولكن لا يمكن لنا أن نعطي دروساً أو نقبل دروساً. لكل إنسان أن يتعظ من تجارب الآخرين.

 

 

CEVAP VER