عدنان منصر: الفساد في تونس في عهد بن علي كان سياسة دولة

51

تونس (تركيا اليوم) – أدت مجموعة من العوامل المشتركة على رأسها الفقر والفساد وقمع الحريات إلى إشعال فتيل الثورات العربية، وكان الأمر واضحا بقوة في الحالة التونسية، حيث أن أن الفساد كان يعد سياسة للدولة في عهد نظام زين العابدين بن على.

ورغم تخلص تونس من هذا الكابوس، إلا أن الصورة حتى الآن لاتبعث على التفاؤل كثيرا، وذلك راجع إلى العديد من الأسباب، ومن أجل فهمها بشكل أكبر، قامت ” زمان عربي” بمحاورة عدنان منصر مدير ديوان الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي.

 ما هي خلفيات الثورة التونسية؟

بالنسبة لتاريخ كل الثورات تتوافر دائما العوامل في عمق المجتمع، ثم ما يحدث بالحراك الشبابي وماحدث في تونس في 2011 حدث مثله في السابق في 1864 (ثورة علي بن غذاهم)، وهذه الثورة كان في ظلم وظروف اقتصادية صعبة ومجاعة وأوبئة. كل ذلك أدّى إلى اندلاع ثورة كانت طويلة وكانت دموية جدًا. فعملية جباية الضرائب كانت غير مباشرة وعندما تطلب شيء من الدولة تدفع الضرائب التي تمت مضاعفتها وزاد ثقلها ما وضع المواطنين في وضعية لا يستطيعون دفعها. تونس حدث فيها الكثير من الثورات والانتفاضات. وكان في الماضي انتفاضة الخبز بدون قيادات لكن الجيش تدخل وسقط مئات الضحايا، والسلطة عندما تراجعت عن سعر الخبز هدأت الأوضاع.

لكن في 2011 كان الوضع مختلفا، كان هناك نخبة من الجامعيين العاطلين عن العمل. البطالة موجودة في كل البلدان لكن عندما تكون النسبة بالآلاف، تصبح هناك أسباب اقتصادية اجتماعية وأسباب ثقافية. لا يمكن أن تحكم شعب مثقف به نسبة تعليم كبيرة بالأساليب القديمة؛ القمع وكبت الحريات وغلق القنوات وما إلى ذلك. يمكن أن يسكت الناس على القمع بشرط أن تعطيهم أدوات للعيش. أما أن تكون عاجزا وتمنعهم عن ممارسات الحريات..

“كنا ننتظر حدوث انتفاضة وانفجار من هذا القبيل منذ عام 2008”

كنا نتوقع ذلك في 2008 و2009. الناس كانوا يتوقعون أن يحصل شيء. ثم إن عملية إحراق البوعزيزي لنفسه سبقتها عمليات أخرى ولكن لم تحدث مثل هذه الانتفاضة. الآن يوجد مجتمع مثقف ونسبة التعلم من أعلى النسب في البلدان العربية والإسلامية وتنافس الدول الأوروبية. تونس الدولة الوحيدة التي وجهت ميزانيتها للتعليم بعدما خرجت من الاستعمار. في حين أن الدول العربية وجهت ميزانياتها للتسلح. هذه النسبة المثقفة اكتشفت الفساد. وهناك أشياء يلمسها الإنسان في الحياة اليومية. وكانت الأسر السياسية تتحكم تقريبًا في نواحي الحياة الاقتصادية. لدرجة أن الفساد لم يعد عنصراً إضافياً بل أصبح العنصر الأساسي لأنه أغلق آفاق الشباب. وأصبحت السلطة الحاكمة مستبدة، وهذا الفساد يدمر الشباب لأنه شباب مثقف. لم يعد للنظام أن يخفي المعلومات، لأن الأدوات أصبحت متاحة الآن لكشف كل ذلك. بن علي كان يعرف أنه كان يتحدث عن شباب مثقف، وكان ذلك واضح في خطابه الأخير. هناك أساتذة جامعات قتلوا في المظاهرات. عمليات إحصاء الشهداء تعطيك فكرة أن مقدمة المتظاهرين هم شباب متعلم. فالشباب الذي حرق نفسه عناصر التفجير كانت موجودة من قبل.نسبة الرجال والنساء متقاربة.

هل يمكن عقد مقارنة بين الثورة التونسية والثورة الإيرانية؟

أعتقد أنه لا مقارنة بين ما حصل في تونس والثورة الإيرانية أو الفرنسية أو البلشفية. مثال؛ الثورة البلشفية كانت ثورة أعد لها جيش وعندها قيادات، وكانت تجمع بين الثورة والانقلاب والانتفاضة، وكتب عنها المثقفون. هي ثورة قامت على إيدلوجية، وفي إيران حصل شيء شبيه ذلك. والثورة الفرنسية تشبه شيئاً ما كان فيها فلاسفة. الوضع في تونس أصعب؛ أولا لأن الثورة لم يكن لها برنامج وقيادات وأهداف، عندما سقط النظام كان هناك نوع من الفراغ وتشكل حكم مؤقت. الناس خرجوا بمطالب فقط، وأهم شعارين “التشغيل” و”مكافحة الفساد” والناس كانوا يعرفون أنه لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي دون القضاء على الفساد. مكافحة الفساد والتنمية الاقتصادية. لأن الفساد زائد، ولكن في السابق كان محصوراً في مجموعة من الناس. على سبيل المثال؛ الأمم المتحدة تقدم تقريبا 50 أو 60 في المئة من الأموال المرصودة من المنظمات الدولية لمكافحة الفساد تذهب في الفسادغها المثقفون. هي ثورة قامت على غn para فساد  المئة من الأموال من الأموال المرص افحة  هناك نوع من الفراغ وتشكل حكم مؤقت. ن  يستطع. الثورة في تونس مختلفة هي انتفاضة جماعية غذاها قتل الحريات، انتشار فكرة أنه يمكن التخلص من النظام الاستبدادي بأقل التكاليف؛ اعتصام سلمي. في القاهرة مثلا بدأت بهذا الشكل، مجموعة كبيرة من الناس تقرر أن تسقط النظام بطريقة سلمية. وأنا لا أميل إلى تسمية “الربيع العربي”.

هل يمكن القول بأنه كان للإسلاميين والعلمانيين أجندات مختلفة؟

عندما تقول مطالب ليبراليين وإسلاميين، فيعني أن لهم مطالب من قبل. في البلدان التي لم يكن فيها النظام مستعداً للرضوخ لمطالب الناس حدثت حروب أهلية. الثورات المسالمة تحولت لانتفاضات وثورات مسلحة. وليبيا لا يزال فيها النظام القديم. لكن هذا لم يحصل في الثورة التونسية. الجميع تفاجأ. كل الناس التقت حول مطلبين بطريقة تلقائية: التشغيل ومكافحة الفساد. لكن أعتقد أنه في أيام الثورة كنت أقول إن بن على لا يزال قادرا على إيقاف كل شيء لو اتخذ قراراً بإيقاف اعتقال أسرة زوجته وقام بنوع من الثورة داخل النظام، لأنه سيقضي على الفساد والعائلة المتهمة بذلك، لكنه لم تكن لديه الشجاعة على فعل ذلك. لأنه نفسه كان أسيرًا في هذه المجموعة الفاسدة. كان يستطيع أن يقلب الأمور في اتجاه ملائم له. أسرة زوجته أفسدت البلاد. لكن في البداية كان مطلب الثورة هو الشيئان المذكوران.

هل قيام الجيش بانقلاب احتمال وارد؟

طبيعة الجيش في تونس مختلفة عن الجيوش في بقية البلدان. هناك قرار سياسي في جعل مهمة الجيش منحصرة في الدفاع عن الحدود والتنمية. على سبيل المثال عندما تحصل أزمة فيضانات وسيول، أول من يتدخل هو الجيش، عندما يحصل هجوم جراد الجيش هو الذي يكافحه. وهو مؤسسة لا تتدخل في الشأن السياسي. فالجيش في تونس يختلف عنه في مصر وسوريا. لم تكن هناك إقالات لكن كان تغيير في الوظائف. المشكلة في تلك الأيام كان هناك مشكلة في أجهزة الاستعلام لأنها لم تقم بعملها مئة في المئة وكانت تخفي عن السلطة الكثير من المعلومات. وفي نفس الوقت لم نعرف أن هؤلاء الضباط متآمرون أم لا، كان هذا إجراء احترازي.

هل يمكن أن يعود النظام القديم؟

الآن ما يحكم البلاد هو النظام القديم. النظام القديم عاد بالديمقراطية، ولكن وقعت محاولات لعودة هذا النظام، ومنها الإدارة والتدخلات الخارجية وتمويل بعض الدول الأجنبية للنظام القديم. كبار رجال الأعمال لم يدعموا الثورة بل دعموا النظام القديم، وكذلك وسائل الإعلام.

ما هي المطالب الأساسية التي أحدثت الثورة؟

أعتقد أنه هناك مطلبا أساسيا، هو المطلب الاقتصادي. لأن النظام القديم يكون في شكل شبكة فساد في كل القطاعات، وخاصة في رجال الأعمال. وكانوا يسيطرون على كل الأسواق، ويمنعون رجال الأعمال الصغار أن يأخذوا نصيبهم من الأسواق. وأصبحت الثروة في يد مجموعة ضيقة. هذا هو النظام القديم لا يمكن أن يتحقق أي هدف إذا لم تكسر حلقة الفساد، يجب كسرها. يجب الشفافية في العروض وألا تكون هناك رشاوى. الوضع بالنسبة لتركيا، الفساد مرتبط بالسلطة، والمسألة نسبية، ربما بحدود ضيقة أو نسب عالية. حتى في عهد عمر بن عبد العزيز كان هناك فساد، ولكن لم يكن الفساد سياسة الدولة، طبعا أن يكون الفساد جماعيًا شيء آخر.

ما هو التهديد الكبير للثورة؟

لاشك في أن العدو الأكبر في تونس هو الإرهاب. وهو نتيجة لجملة من الوقائع والحروب. ولا يمكن مكافحة الإرهاب بالشرطة والجيش فقط. مسألة الإرهاب مرتبطة بالسنوات الماضية وليست حديثة في تونس. وخاصة في عام 2000. الإرهاب ظاهرة معقدة. ومثلما أصبح الفساد معوقاً فالإرهاب أصبح كذلك. لماذا يذهب التونسيون أكثر من غيرهم؟ لأن هناك يأساً من إمكانية استطاعة الناس أن يحققوا مطالبهم وأحلامهم. بالإضافة إلى اعتبارات عقيدية أو دينية تجعلهم يذهبون. مثلا في تونس الظاهرة الإرهابية في حالة تصاعد. النمو الرئيسي للإرهاب هو الفساد. وهذه الدول قامت بمعاداة الثورة التونسية، لأنها تقول للتونسيين وغيرهم أرفض أن تحققوا الاستقرار بالطرق الديمقراطية. الكثير من الجهات تعتبر أن الخطر الإرهابي في تونس هو الخطر القادم من ليبيا. ولكن رأيي مختلف لأن الإرهاب بدأ في تونس قبل ليبيا، المجموعات الإرهابية الموجودة داخلية وبها عناصر خارجية. هناك إمكانية واردة أن يحصل هجوم إرهابي. لذا يجب أن يكون هناك حلول اقتصادية.الإرهاب يؤدي إلى أن الدولة تقول إن هناك خطرا. وطبعا هذا موجود في تونس.

كيف ترون تركيا؟

أعتقد أن المشروع التركي هو مشروع اقتصادي. والناس يصوتون للعدالة والتنمية بسبب الاقتصاد. وحضرت مؤتمراً للحزب في 2013 كان شعاره أن 2023 تركيا قوة عظمى. الجانب الاقتصادي مهم جدًا وأرى أنه نجح اقتصاديًا. النظام القديم في تركيا: كبار رجال الأعمال وكبار قادة الجيش والإيدلوجية الكمالية. ولكن منذ عهد تورجوت أوزال أفسحت المجال لطبقة جديدة من رجال الأعمال. ومن هنا بدأ سقوط الجيش والكمالية. ولو كان العدالة والتنمية اعتمد على رجال الأعمال القدامى لكان الشعب تخلى عنه في أول فرصة وأيد النظام القديم وضباط الجيش. هذا فهم في تركيا، في تونس بقيت الثروة في رجال الأعمال القدامى فأعادوا رجاله.

CEVAP VER