قيادي بالنهضة التونسية: بلادنا تجد صعوبات في بناء منظومة سياسية جديدة

37

تونس (تركيا اليوم) – بعد مرورو 4 سنوات على ثورة الياسمين، لاتزال تونس تعاني من صعوبات في إيجاد طريق واضح من أجل تأسيس منظومة سياسية جديدة تتجاوز ماعاناه الشعب في ظل النظام القديم.

” زمان عربي” تستعرض في حوارها التالي مع القيادي في حركة النهضة عضو مجلس الشورى التونسي أحمد قعلول أبرز ملامح هذه المرحلة..

ما هي الصعوبات التي تواجهها حركة النهضة بعد الثورة؟

هناك صعوبات متعلقة بالوضع العام. ومن الممكن القول بأن الصعوبات السياسية التي تمر بها البلاد أهم من صعوبات وضع النهضة. لأن البلاد في إطار تأسيس منظومة سياسية جديدة. والنهضة هي جزء منها ولكن المنظومة تتشكل من كيانين سياسيين: النهضة التي تبدو الكيان المنظم والمهيكل الذي يمتلك رؤية، بينما الهيكل السياسي الآخر، الذي هو جزء أساسي من الدولة، غير مهيكل وغير واضح، والهشاشة التي يمر بها هذا الجانب يتولد عنها إرباك للوضع العام في البلاد.

صعوبات النهضة مرتبطة بالصعوبات التي تمر بها البلاد. هناك هشاشة في الكيان السياسي القديم، هذه الهشاشة تولد مخاطر أمنية وسياسية. والأمنية تتمثل في أن بعض الأطراف في السياسة القديمة مستعدة للحفاظ على موقعها لممارسة كل الألاعيب القذرة، إضافة إلى الخلل في الإدارة، وغياب رؤية للمستقبل. الحزب الحاكم لا يدعم حكومته الدعم اللازم. والتحول السياسي القادم سيكون تغيير هذا المشهد. إضافة إلى أن هناك أطرافاً إقليمية تعتبر أن الاستثناء الموجود في تونس غير مقبول، وهذه مشكلة حقيقية. ويرون أن القاعدة يجب أن تنطبق على تونس كذلك. وهناك مسألة اللوبيات والتدخل في الإدارة والمال ومجالات أخرى، وهي مرتبطة بالمافيا الاقتصادية. اقتصاد تونس 53 في المئة اقتصاد مواز وليس رسميا. وهذه اللوبيات لا تريد أحزاباً قوية.

“بعد الثورة تحرك النظام القديم عبر الإعلام والمخابرات”

لماذا؟

لأن الأحزاب تتآكل وتعمل مع قوى أخرى. الآن تبييض الأموال يمر من ليبيا إلى تونس والإمارات تأخذ 30 في المئة. والـ 70 في المئة تذهب إلى روما ولندن. إذن المشهد الليبي به ثنائية طرابلس – طبرق، ووارد أنها لن تكون في المشهد في وقت قصير، داعش بنسبة 85 في المئة، والأمريكان ضربوا زعيم داعش في ليبيا وهو عراقي الجنسية.

نحن نواجه صعوبات بناء الدولة، نظامنا الآن برلماني، والبرلمان هو الأقوى وليس القصر الجمهوري، وفي الوقت نفسه لدينا مشاكل إقليمية وأمنية. والصعوبات التي نواجهها هي صعوبات البلد. المنظومة الجديدة صورتها رسمها الدستور. ومنظومة تقنين جديدة، وفي نفس الوقت المنظومة القديمة كانت اقتصادا موازيا، وعلاقات موروثة من نظام بن علي، وهي علاقات عميقة. ولما جاءت الثورة اختلفت هذه العلاقات، وأصبحت تتحرك بأجندات. وفي لحظة معينة تعبر عن نفسها بروح من الإدراة الجماعية، فعملت المخابرات والإعلام والمنظومة الدولية وهكذا. لكن في المنظومة الإقليمية هناك تطور إيجابي على عكس ما كان موجودا قبل عام. والجزائر نفسها مستهدفة. الحراك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا أذكر أنني عايشته من قبل. لأن الدولة نفسها أصبحت غير كافية ويجري تقسيمها. المشكلة التي نواجهها بناء نظام اقتصادي وبنية قوية. كيف يمكن أن يصبح الاقتصاد الرسمي أقوى من الاقتصاد غير الرسمي. وبالنسبة لهذا الوضع الذي يضمن الأمن والاجتماع والسياسية نحن موجودون في قلب الإشكالات هذه. تحالف النهضة مع الحزب الحاكم (نداء تونس) وهذا كله محاولة لردها على التحديات من أجل الحفاظ على التجربة التونسية.

 كيف ينظر الرأي العام للنهضة؟

هم يربطون الإسلام السياسي بالإرهاب. هناك قناعات لدى الرأي العام تربط بين الإسلاميين والإرهاب. حسب الإحصائيات أكثر من 60 في المئة يخشون ذلك. هناك صورة لدى الرأي العام أن حركة النهضة تهدد أسلوب حياة المواطن التونسي، وتهدد موضوع الحريات الشخصية. وهناك مع الأسف نقص في التواصل.

إذا ما بقيت النهضة في السلطة فهل تتدخّل في أسلوب حياة المواطن التونسي؟

أولاً أود أن أفسر الظاهرة من حيث القناعات الموجودة الآن داخل حركة النهضة، ولو سألت الشيخ راشد الغنوشي كيف كان سيجيبك؟ هل سيقول لك أن واجب على الدولة أو النهضة عندما تكون في الحكم أن تسعى لفرض أسلوب حياة معين؟، هذا لم يحدث. وكانت النهضة لديها الأغلبية الأكبر، وكانت قادرة على تمرير التشريعات. والغنوشي أول من تحدث عن فكرة اعتماد الشريعة الإسلامية كجزء أساسي من الدستور، وكان الشارع التونسي مليئا بالمتظاهرين الذين يطالبون بذلك. أصدرت حركة النهضة بياناً ضد هذا المبدأ. والسؤال هنا مرتبط بدور الدولة بعلاقاتها بالحريات الفردية، وما دور العلماء في تعبيرهم عن رأيهم وإقناعهم الناس بهذا الإطار، وهذا السؤال كنا نقبله قبل الحكم، والآن نتحدث بعد الحكم وصنعنا الدستور، والإسلام هو دين الدولة وبه حرية الضمير، هذا الموضوع محسوم لدينا. هناك أطراف تريد أن تختلق مشكلات ولكن هذا لا يهمنا صراحة. لأننا لم نحرم الخمر أو أي شيء. نحن أخذنا البلاد وحاولنا معالجة مشاكلها العميقة، الاقتصادية والاجتماعية، والإنسان العادي لكي يشعر بذلك يحتاج لوقت.

والنقطة الأخرى: الاستراتيجية؛ أي أن حركة النهضة عندما تصبح قوية في المجتمع وليس لها مثيل. الآن حذفنا موضوع العلمانية وغيرها. الحركة الإسلامية عموما، وبخاصة النهضة، يوجد نقاش بشأنها حول شكل الحكم ونمط الدولة ونمط المجتمع الذي ننشده. نحن الآن نسعى ونتناقش حول طبيعة الحزب السياسي كحزب نهضة، وما علاقة هذا الحزب السياسي بالمجتمع الدولي. كل هذه أسئلة مطروحة داخل النهضة ولكن ليست هناك إجابات واضحة، وهناك إجابات ولكن لا اتفاقات. وهناك مجموعة تنادي بانفتاح النهضة على جناح غير إسلامي لتصبح مكونات الحزب غير إسلامية فقط. والإجابة عن كل ذلك ستوصلنا إلى حالة شبيهة لما لدى تركيا الآن. لا أرى أن نشترك مع تركيا، ولا أرى أن النموذج التركي يصلح لنا. هناك وعي لدى النخبة ولدى القاعدة الحزبية، وهناك كذلك مشاكل بنيوية تنتج عن رؤيتنا وتصورنا للدولة والمجتمع. لأن طبيعة الدولة في تركيا أقرب للمنظومة الفرنسية. الدولة التي ورثناها الآن منظومتها فرنسية، ومرت بمراحل ضعف شديدة، هل نحن الآن سنكون قادرين على التغيير في مركزية هذه الدولة، وأن البرلمان له سلطة حقيقية، ومنظومة الاقتصاد. هذا مسار لم نحققه بعد.

 ألا يمكن أن تكون النهضة حزباً سياسياً وحركة إسلامية في الوقت ذاته؟ كان هناك نقاش مماثل جرى بشأن الإخوان المسلمين في مصر..

في تونس لا توجد هذه الازدواجية التنظيمية مثلما يوجد في مصر. الحركة هي الحزب. المشروع الفكري الذي تتبناه حركة النهضة يعبر عن نفسه من خلال الحزب السياسي. المؤسسات التي تعمل داخل الحزب السياسي هي كل هذه المنظومة. رئيس الحركة ليس هو رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان. أنت تكلمت عن نقطة نحن لسنا مثل مصر، ولكن نحن مثلما نريد. كيف؟ كنا حركة وطرأ علينا الحكم، وأعطينا الأولوية لبناء الحزب السياسي، لكن لسنا مرتاحين أن يمر مشروعنا عبر الحزب فقط. ثانيًا: لا بد أن نطور الحزب في ذاته، وأن يكون المشروع عبر مجتمع مدني. وإذا كان كذلك ما هي العلاقة بينهما؟ والحزب يعطي إطاراً من الناحية السياسية. هذا لم نصل إلى استكمال المشروع، وركزنا الآن على بناء الحزب، لأنه يحتاج إلى تطوير. أنا أرى أن الحركة الإسلامية هي حركة معارضة، بعد المعارضة تأتي فترة الدولة، ويصبح الموضوع بين الدولة والمجتمع الدولي.

هل يمكن القول بأن النهضة تعلّمت مما حدثت في مصر؟

يجب أن نقرأ المعادلة الإقليمية والدولية. وكل المعادلة من تاريخ ثورات الربيع العربي بين تونس ومصر وليبيا إلى حدود اغتيال السفير الأمريكي. إلى حدود تلك اللحظة كان موقف أمريكا معين ثم تغيّر، فأولا الموقف الدولي للإسلاميين عمومًا فلم نقم بخلق الطمأنة الكافية للمنظومة الدولية بأن الموجودين سيكونون قادرين على المحافظة على الاستقرار. والوضع الإقليمي تغير مع الوقت خاصة مع التحرك المصري فالوضع الدولي والإقليمي تغير، وماحدث ي مصر كان تعبيرا عن هذا التغير. لا يمكن لحركة النهضة أن تكون متجاهلة لكل هذه الأمور. كان يمكن أن تخطئ وأن حكومتها شرعية وأن المعارضة ضدها ليست شرعية. ولكن لو كنا فعلنا ذلك لتحولنا إلى منظومة دولة مستبدة أو وضع ليبي جديد. نعم قرأنا الوضع المصري، ووصلنا بالبلاد إلى دستور وانتخابات ديمقراطية. والذين يقولون إن حركة النهضة خرجت من الحكم مكرهًة وليس باختيارها فخروجها من الحكم قدم للبلاد دستوراً وانتخابات ديمقراطية. وهذه مسألة مهمة. وكان ممكن لها أن تصل إلى وضع مثل ليبيا. النهضة اهتمت بالأمن القومي التونسي. الحفاظ على النظام الديمقراطي هو الحفاظ على كل شيء.

“لا نريد خلافاً مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا”

بالنسبة لنا لا نريد خلافًا مع العدالة والتنمية وستكون علاقات عامة فقط. لا بد من استيعاب معظم الناس في المنطقة. قبل ما حدث في مصر كانت هناك قوة إقليمية صاعدة؛ تركيا ومصر وقطر، وباقي الدول العربية كانت نجوم ساطعة، هذا الجانب خسر في إسرائيل وإيران وقوى معينة وروسيا. تونس كانت تنتمي إلى هذا الحلف وموقف تركيا وقطر موقف إقليمي لأنهما كانتا مع بعض. لا أتحدث عن تحليل فكري ولكن لدي دلائل واضحة. الجانب الثاني هو أن الإسلام السياسي مستهدف أمس واليوم وغدًا وبعد غد. والذي يرى أن الإسلامي السياسي يمكن أن يكون قوة استراتيجية لا يفهم شيئا في الاستراتيجية. لأن أكثر ناس ضد ذلك هي روسيا والصين وإسرائيل وبعدها الأوروبيون والأمريكان. لأن فكر الإسلام السياسي قوة عظمى وهم قوة مبعثرة. هناك نظام عالمي ولكن الإسلام السياسي بمثابة لعبة وبناء شيء جديد وغير مسموح لك بذلك. لماذا هناك اتفاق نووي مع إيران؟ ليست حاجة إيرانية بل غربية. كيف؟ لأنها معركة أخرى ففي 2017 منتظر أن يكون الدخل الصيني يتجاوز أمريكا، بمعنى أن سيادة العالم قد تتحول إلى الصين. روسيا تاريخيا كانت ضد الصين، وإيران ضد الصين، فحتى يعزلوا الصين لابد من احتضان إيران وإقامة منطقة عازلة بين الصين والخليج وتبقى لها السيادة العالمية. الثقل الدولي أصبح في قارة آسيا، لذا لابد من إيجاد قوة إقليمية متوازنة. ونحن نفكر بناء على هذا الكلام. لأن الوضع الإقليمي والدولي متقلّب. علاقة تونس بتركيا علاقة تاريخية استراتيجية، فالعلاقة قوية منذ القدم. الإسلاميون اليوم كيف يفكرون هل مطلوب منهم التفكير بمنطق الأسباب، وهو يبدو تفكير بعيد عن الأيدلوجية، المطلوب منا قراءة الأسباب. والشيخ الغنوشي انتبه إلى هذه التحولات التي حدثت في مصر.

ما مدى علاقاتكم مع إيران؟

العلاقة بإيران موجودة، حركة النهضة لها علاقات بإيران. الغنوشي يدعو منذ فترة لحوار شيعي سني، ولكن وضع تونس متجه لعلاقة مع السعودية وتركيا أكثر منها علاقة مع إيران. نحن مع الحديث مع إيران على المستوى المغاربي (الجزائر وتونس والمغرب). إيران كانت صديقة لبن علي. ونحن لا نريد من يضرب إيران، أو أن تأخذنا إليهم. بمعنى أنه هناك إمكانية لعودة الدور الذي كان في إيران في زمن الشاه، إيران دوليا مطالبة بأن تقوم بدور الشاه. نحن لا نحترم الدول التي ترمي البراميل المتفجرة على شعوبها، لا نحترم من يريد أن يكون مليشيات، ولا نريد تدمير إيران ولا نريد أن تتمرد الشيعة على الدول التي دخلوا إليها. الدور الإيراني مختلط ومتسلط. مشكلتي معهم ليس طائفية ولكن المشكلة سياسية.

 

CEVAP VER