الاثنين 6 February 2012

 

مؤتمر "العرب والأتراك " خطوة باتجاه تطبيع العلاقات العربية التركية

الكاتب: 

عقد مطلع هذا الشهر مؤتمر هام في دمشق ضمن سلسلة المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية التي شهدتها العاصمة السورية على مدى الشهور الماضية ألا وهو مؤتمر "العرب والأتراك مسيرة تاريخ وحضارة"، والذي تم إعداده والتحضير له من قبل وزارة الثقافة السورية ومركز الأبحاث بالتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (أرسيكا - استنبول)، علما بأن هذا المؤتمر هو الثاني من نوعه حيث عقد في العام الماضي آخر مشابه بمناسبة احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009 تحت عنوان "القدس في العهد العثماني". ويتوقع أن تعقد مؤتمرات أخرى تتناول العلاقة العربية التركية من جميع أشكالها وموضوعاتها، وهذا ما أكده الدكتور جانكيز تومار من أرسيكا والأرشيف العثماني في كلمة المشاركين الختامية، حيث قال أنه بعد عقد مؤتمرين في دمشق ندعوكم لعقد المؤتمر القادم في تركيا داعيا العرب والأتراك إلى على دراسة اللغتين العربية والتركية.

وهذا ما اكد عليه ايضا د. نزيه معروف الذي يتولى مسؤولية التنسيق والعلاقات ما بين ارسيكا والمؤسسات الدولية، والذي دعا الى توسيع دائرة التعاون مع المؤسسات والدول العربية وعقد المزيد من المؤتمرات مابين العرب والاتراك.

وكان وزير الثقافة السورية الأديب والكاتب رياض نعسان آغا قد قال في كلمة افتتاح المؤتمر: أننا أردنا من عنوان هذا المؤتمر أن يتناول العلاقات العربية التركية وليس التركية السورية فقط كون أن هناك تاريخ طويل يربط الأتراك بالعرب بدء منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنه 21 للهجرة يوم كانت جيوش الفتح العربي الإسلامي تتابع تقدمها في بلاد الفرس والأتراك حين التقى عبد الرحمن بن ربيعة قائد جيش المسلمين في بلاد الباب بملك الترك شهرة براز وعرض عليه أن ينضم إلى جيشه وأن يساهم معه في فتح منطقة أرمينيا، ووافق معه الملك التركي على ذلك حيث رحب الخليفه عمر بن الخطاب بهذا الاتفاق، وانضم الأتراك بعدها الى جيوش المسلمين في عهد الخليفة عثمان بن عفان سنة 31 هجرية في فتح بلاد طبرستان وعبروا نهر جيحون ونزلوا إلى بلاد ما وراء النهر وهنا دخل كثير من الأتراك في الدين الجديد.

هذا وقد انطلق مؤتمر العرب والاتراك من خلال ثلاثة محاور أولها "أواصر العلاقات العربية التركية" وثانيها "الأدب واللغة" والثالث "الفنون والعمارة"، حيث تناولت عناوين العرب والسلاجقة والدفاع ضد الغزو الأجنبي -العلاقات التركية العربية قبل الامبراطوريه العثمانية- العرب والأتراك والدفاع عن الدولة ضد الغزو الأجنبي -العلاقات التركية العربية خلال الفترة العثمانية- إمارة حلب بين المماليك والدولة العثمانية- السياسة الخارجية الجديدة لتركيا وانعكاساتها على العلاقات العربية التركية- الموسيقى العربية والتركية والقواسم المشتركة- إسهام الأتراك في تطور العلم والفكر الإسلامي- أوهام الاستشراق عن المدينة العربية في العصر العثماني وعناوين أخرى.

وكان قد جاء في المداخلة التي قدمها المؤرخ والأثري الدكتور عفيف بهنسي في جلسة الفنون والعمارة والتي رأسها الدكتور أمر الله ايشلر أستاذ اللغة العربية في الجامعات التركية والمستشار السياسي لرئيس الوزراء التركي طيب أردوغان، وحملت عنوان "عمارة بلاد الشام منذ القرن السادس عشر" أن الطراز المعماري في سورية شهد تطورا كبيرا استوحى عناصره وأسلوبه من العمارة العثمانية، مشيرا إلى ظهور العمارة العثمانية في القدس أيضا في عهد السلطان سليمان القانوني حيث كانت الفسيفساء تغطي قبة الصخرة المشرفة من الخارج فأمر بتغطيتها بألواح القاشاني لزوال أكثر الفسيفساء بسبب الرطوبة والعوامل الجوية.

ومن أهم الجلسات التي تناولها المؤتمر تلك التي حملت عنوان "الموسيقى التركية والعربية والقواسم المشتركة بينهما"، حيث قدم الدكتور علي القيم معاون وزير الثقافة السوري الذي يعود له الفضل في تنظيم المؤتمر والمؤتمرات الأخرى المتعدد الاختصاصت بحثا هاما ذكر فيه أن الموسيقى التركية الكلاسيكية هي توأم الموسيقى العربية اذ تطورتا نظريا وعمليا من بيئات شرقية وذلك من خلال مرحلتين الأولى تتسم بالأصالة العربية والتركيز النظري والعملي حتى العصر الذهبي العباسي، أما الثانية فهي تتسم بالتفتح والتثاقف والتداخل مع مختلف العناصر المكونة للعالم الإسلامي تمكنت بعدها بدعم من السلطة العثمانية من التألق في مجالات الخلق والإبداع. ورأى أن الثقافة التركية في الموسيقى بكليتها مزيج عجيب من العناصر المتنوعة والمتباينة فعلاوة على خاصيتها المكتسبة فقد أخذ الأتراك كثيرا من الموضوعات الفنية والاصطلاحات الأدبية حيث كانت هذه الفترة بمثابة تحول جذري تلاقى فيها الشعب العربي والتركي تحت راية الدين الإسلامي وامتزجت ثقافتهما امتزاجا كليا وظهر ذلك جليا في نظم الأغاني والتأليف الموسيقي وفي مستوى الترنيمات الموسيقية وتوحيد أسماء درجات السلم الموسيقي وأسماء المقامات الموسيقية أو المصطلحات الفنية.

وأوضح أن الغناء التركي دخل شتى أرجاء الوطن العربي عن طريق التهاليل المستعملة في المساجد وقبل صلاة العيدين، مضيفا أن جسور التبادل بين الموسيقى العربية والتركية مكنت من ازدهار وتطور الموسيقى على يد عبد الحمولي ومحمد عثمان وتم تهذيب التواشيح والقدود وتناولت ترجمتها ما بين الشعبين إلى التأثير التركي في الموسيقى العربية ببروز القوالب الآلية مثل اليشرف والسماعي واللونغا.

هذا وقد قال حسن تركماني معاون نائب رئيس الجمهورية في كلمة ختام المؤتمر أن هناك حاجة لمزيد من الفعاليات الثقافية لتوسيع الموروث والتاريخ المشترك الذي كان يجمع العرب والأتراك ولازال عبر التاريخ، مضيفا أننا أمام إعادة الأمور إلى طبيعتها في العلاقة ما بين العرب والأتراك وفق رؤية تتجاوب مع مصالح الشعوب ومنطق التاريخ المشترك والجغرافية، وواجبنا دائما أن نقدم للمجتمع تلك المساحات التي تستند إلى هذه الرؤية وتكريس القناعة بأنها علاقة مطلوبة للجانبين.