السبت 19 May 2012

 

الوجه العربي لتركيا

الكاتب: 

منذ فترة والأتراك يقرعون باب الشرق الأوسط وينقرون على الوتر الحساس: فلسطين. بدا ذلك واضحاً في مؤتمر دافوس عندما ردّ أردوغان بعنف على شمعون بيريز وانسحب إثر ذلك من المؤتمر.
وتتابعت فيما بعد اللقطات التركية المثيرة والمفاجئة بنظر الكثيرين، ومنهم الإسرائيليون الذين اعتادوا على تركيا هيّنة ليّنة تقول إنها حليفة إستراتيجية لإسرائيل، ولا تقيم سوى علاقات سياسية وتجارية عادية وبسيطة مع الدول العربية.
ولكن يبدو أن هناك موقفاً تركياً جديداً من إسرائيل ومن المنطقة. فأردوغان لا يفتأ يردّد عبارات جديدة في المعجم التركي من الصعب وصفها بأنها مجانية. فقد وصف في مؤتمر القمة العربية الأخيرة في طرابلس، القدس بأنها «قرة عين» المسلمين، ويبدو أن العبارة تركية أيضاً وهذا غير مستغرب لأن حوالي نصف اللغة التركية، على الأقل، من أصل عربي.
وقد ردّد العبارة نفسها قبل أيام عند افتتاحه قناة تركية باللغة العربية، مضيفاً إليها كلمات أخرى لا تقل حرارة عنها حول غزة. فقد قال: إن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما اعتدى الإسرائيليون مرة أخرى عليها، أو إذا ما تجمعت سحب داكنة فوق مدينة القدس.
وقد اتضح هذا الموقف التركي الجديد أيّما وضوح قبل أيام قليلة عندما افتتح أردوغان فضائية «التركية» العربية ومن قصر الدولة (الدولة باتشي) في اسطنبول حيث مقرّه الرسمي. حضر أردوغان الحفل بنفسه وخطب فيه وجاء قسم من خطابه باللغة العربية.
في هذا الخطاب اختلط التاريخ بالسياسة والأدب والشعر والفنون والطرب، فكان نوعاً من «مانيفست« كامل في حب العرب والمسلمين ونسيان صفحة مؤلمة في العلاقات التركية - العربية تمثلت بتعاون العرب مع الإنجليز ضد الأتراك في الحرب العالمية الأولى. استحضر أردوغان في خطابه رموز الثقافة والفن العربي .
قال: إن أم كلثوم ليست فقط صوت العرب بل هي صوت الأتراك أيضاً. وحيّا نزار قباني وفيروز وماجدة الرومي، وردّد بالعربية أبياتاً من قصيدة نزار: ياست الدنيا يا بيروت. بل إنه تحوّل في لحظة من لحظات خطابه إلى باحث لغوي عندما أعطى أمثلة عن المشترك اللغوي بين اللغة العربية واللغة التركية.
ويجب التوقف عند المواقف السياسية التي أطلقها أردوغان في الحفل والتي تدل على أن هناك حقبة تركية جديدة في المنطقة يصطلح بعض الباحثين على وصفها «بالعثمانية الجديدة». فقد قال: نحن والعرب مثل الظفر واللحم، مثل أصابع اليد الواحدة واعتبر مصير اسطنبول مرتبطاً بمصير القاهرة وبيروت ودمشق والقدس ومكة والمدينة وطرابلس الغرب وبغداد والخرطوم.
وأضاف: إن حزن الأتراك هو حزن العرب نفسه، وفرحهم هو فرح العرب نفسه، وبالعربية ردّد أمثالاً عربية: «الجار قبل الدار» و«لا يشبع الرجل من دون الجار»!.
وسريعاً جاءت ردود الفعل الإسرائيلية وأبرزها من وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي شبّه أردوغان بالقذافي وهيغو تشافيز.
ويبدو أن الأتراك لا يأبهون لردود الفعل الإسرائيلية وماضون في سياسة «تعريب» مواقفهم في المنطقة، تدفعهم إلى ذلك جملة ظروف. أولها إغراء الفراغ وعدم ترك الساحة لإيران وحدها تصول فيها وتجول.
وثانيها المصالح التركية ذاتها في دول المشرق العربي على الخصوص. فتركيا، على سبيل المثال، من بين الدول الأكثر حضوراً في الملف العراقي منذ عام ٢٠٠٣، وقد ورد في الأخبار قبل أيام أن سفيرها في بغداد يقوم بنشاط في مسألة تأليف الحكومة العراقية الجديدة لا يقل عن نشاط السفير الإيراني.
ولهذا بالطبع مدلولاته. وكانت تركيا قد فرضت نفسها في الموضوع العراقي منذ رفضت فتح أراضيها وأجواءها أمام الغزاة لتربط بعدها علاقاتها مع أي حكومة عراقية بلاءات أربع كل ما دونها يمكن التفاوض حوله: لا لضم محافظة كركوك لإقليم كردستان العراق،لا لاستقلال كردستان العراق، لا لهيمنة طائفة أو إثنية على أخرى في بلاد الرافدين. وأخيراً لا لاستمرار العراق قاعدة خلفية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني.
وقد حققت تركيا إنجازاً دبلوماسياً وسياسياً كبيراً بالانفتاح الذي حققته مع سوريا وبجملة الاتفاقات التي وقعتها معها ومن ضمنها إلغاء التأشيرات بين البلدين. وهذا يعني عملياً أن صفحة لواء الإسكندرون المؤلمة التي كانت تنغّص العلاقات بين البلدين قد طويت إلى الأبد.
ولا شك أن مواقف تركيا في القضية الفلسطينية وفي مجمل القضايا العربية تسعد العرب وعرب الاعتدال على الخصوص، وتؤهل تركيا للدخول من الباب العريض إلى المنطقة، وبالتالي استئناف العلاقات التركية - العربية القديمة بين الشعبين، وهي علاقات يعود تاريخها إلى منتصف العصر العباسي، وكانت ذروتها خضوع البلاد العربية للسلطنة العثمانية حوالي أربعمائة سنة.
ولكن حكام تركيا اليوم لا يحبون أن يوصفوا بأنهم «عثمانيون جدد»، كما لا يحبون أن يقال عنهم إنهم من خلال انفتاحهم على العرب والمنطقة العربية يسعون إلى تعزيز الموقف التركي في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو إنهم يتحوّلون من الغرب الأوروبي إلى الشرق الإسلامي نتيجة انكفاء هذا الغرب عنهم.
فعندهم أن انفتاحهم على العرب أمر طبيعي، في حين كان الجفاء السابق بين تركيا الكمالية العلمانية والعرب هو الأمر غير الطبيعي.
خاصة أن تركيا اليوم دولة كبرى يحسب لها حساب في الموازين الدولية، ولا يجوز في ظل الفراغ القائم في المنطقة أن تدير ظهرها لها، أو أن تترك إيران، وحدها فيها. والملاحظ أن دخول تركيا إلى المنطقة لا تصاحبه بوادر أزمة مع إيران.
فتركيا تقول: إن من حق إيران أن تمتلك تكنولوجيا نووية سلمية، وأنها لا تعتقد أن إيران تطوّر سلاحاً نووياً، وأن مشاكل إيران مع عواصم الغرب ينبغي حلها بالوسائل الدبلوماسية. كما أن أردوغان ينعت محمود أحمدي نجاد «بالصديق العزيز».
ويبدو أن الجميع يرحّبون «بالعثماني» الجديد في المنطقة ويفتشون عن الفضائية التركية الناطقة باللغة العربية في تليفزيوناتهم، ويبحثون عن المشترك اللغوي وغير اللغوي بينهم وبين الأتراك، ما عدا الضيف الثقيل في المنطقة الذي يفتش عبثاً عن مكان له فيها، ألا وهو إسرائيل!
نقلا عن جريدة الراية القطرية