تركيا ومصر
By الكبير | أحد, 03/13/2011 - 14:59
الكاتب:
أطبقت على العالم الإسلامي في القرن العشرين ظلمات متتابعة؛ جزاء تراخيه عن نصرة الإسلام ، ومن بين هذه الظلمات الاستعمار والاستبداد.
واللافت أن تركيا لم تعش الظلمة الأولى بشكلها الحقيقي، أما الظلمة الثانية "الاستبداد"فكاد ينقشع عنها في الخمسينيات من القرن الماضي، ويرجع الفضل في هذا إلى الحركات الإسلامية التي ظهرت بهذه الدولة، وإلى روادها الأفذاذ مثل: بديع الزمان سعيد النورسي، ومحمد فتح الله كولن، وطوناخان افندي، واسكندر باشا، ومحمود افندي ، وسامي أفندي الذين اضطلعوا بدور مهم في هذه العملية، بل وحفروا الصخور، ولم يألوا جهدا في القيام بالمهام المنوطة بهم، فضلا عن مجموعة من المثقفين والشخصيات العظيمة التي تزعمت الحركات الإرشادية في الأناضول.
وكان أهم ما تتمتع به هذه الحركات من سمات هو تناولها للإسلام كدين، واعتبارها تركيا دارا للخدمة، وتركيزها بداية على الايمان والأخلاق والمعاملات، وبعدها عن السياسة، والاهتمام بتربية جيل جديد مزود بالعلم والدين معا.
وقد أضحت كل هذه الحركات حركات تربوية تعليمية غيرت وجه العالم بخدماتها وأنشطتها وجهودها الجديرة بالثناء والامتنان، بل وصارت بضاعة أناضولية تسهم في إعلاء قدر تركيا وانفتاحها على الخارج.
مصر ولد الإسلام الذكي:
أجل، مصر ولد الإسلام الذكي، مصر التي تعد مركزا لأهم الحركات العلمية الإسلامية التاريخية، مصر التي خرج منها القمم السامقة في علم الحديث، وخاصة في نهاية العهد المملوكي أمثال الذهبي والعراقي وابن حجر العسقلاني والسيوطي، مصر التي حققت كثيرا من الاصلاحات وانفتحت على الغرب قبل ربع قرن من الزمان من انفتاح العثمانيين بقيادة محمد علي باشا، مصر التي كانت مهدا للنيو سلفية (حركة السلفيين الجدد)التي عمت أرجاء العالم في القرن العشرين، ورغم أنه من المفترض أن يشكل هذا الأمر ميزة لمصر إلا أن تَزمّت هذه الحركات وإفراطها في الاهتمام بالعلم أو الدين قد كشف عن عيوب تلك الحركة الإسلامية أو الحركات الشعبية في مصر.
ورغم أن حركة الإخوان المسلمين - التي أسسها الزعيم الإسلامي المخلص الشهيد حسن البنا الذي نذر نفسه وحياته لخدمة الاسلام وكان من اتباع الطريقة الحصافية الصوفية - قد أنشأت شخصيات عظيمة مثل سيد قطب وعبدالقادر عودة ومصطفى السباعي وسعيد حوى إلا أنها لم تصل بنفس الشكل إلى النتيجة والأرضية التي شكلتها الحركات سالفة الذكر في تركيا.
ويرجع السبب الرئيسي في ذلك كما ذكر "حامد ألجار" في مقاله الرائع عن هذه الحركة في عام 1980م – إلى انخراط الاخوان في السياسة مبكرا في حوالي عام 1947 بسبب القضية الفلسطينية الإسرائيلية، وبعدهم عن التصوف بعد البنا، مما جعل الحركة سياسية أكثر من كونها دينية.
ورغم أنه من العسير تحديد المستقبل القريب لمصر في الوقت الراهن لكن لا ريب أن "ولد الإسلام الذكي "(يقصد مصر، وهى عبارة قالها العلامة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في كتابه"سيرة ذاتية ص 131طباعة دار النيل ترجمة إحسان قاسم الصالحي) سيضطلع بدور مهم ورائع في المستقبل كما صنع في الماضي. ومع ذلك فمن الممكن أن يدرس القادة المسلمون خاصة في هذه الدولة الشقيقة التي بدأ الظلام ينقشع عنها في الآونة الاخيرة التجربة التركية دراسة جيدة؛ لأن هذه التجربة قد تمخضت عن السير في طريق زلج أصعب وأشد مما جري في مصر. وينبغي لمصر أيضا أن تدرس سبب الفشل الذي مني به المسلمون في المحافظة على هويتهم رغم أنهم نجحوا في دحر الاستعمار الأجنبي في كل أرجاء الدولة، دون أتنسى أن أهم زاد تحمله في هذا الطريق الطويل هو التبصر والفراسة والصبر والاخلاص والتضحية دون افساح المجال للعنف أو للتخريب أو التدمير.
وينبغي لتركيا ايضا أن تدعم مصر والدول الأخرى دون اغترار أو اعجاب بالنفس؛ حتى لا تدورهذه الدول في دائرة ظلمات أخرى.
- سجل دخول أو قم بالتسجيل لتستطيع التعليق

