السبت 19 May 2012

 

كيف تتجمل المجتمعات حين تتحول ديمقراطيًا؟

الكاتب: 

بدعوة من أحد مراكز البحوث السياسية التركية والمجلس البلدى لمدينة ماردين فى جنوب شرق تركيا شاركت فى بدايات الأسبوع الماضى بورشة عمل حول قضايا الديمقراطية فى الشرق الأوسط، وألقيت، ويا للمفارقة، بمركز أتاتورك الثقافى محاضرة حول حركات الإسلام السياسى العربية وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين حزب العدالة والتنمية التركى.

وفيما يلى، أعزائى القراء، بعض ملاحظات ومشاهدات الأيام الماردينية ذات المغزى والدلالة حين التدبر فى الكيفية الفعلية التى تغير بها الديمقراطية أوضاع المجتمعات والمواطنين إلى الأفضل والأجمل.

ــ تقع مدينة ماردين فى جنوب شرق تركيا بالقرب من الحدود السورية، ولا تبعد كثيرا عن مدينة نصيبين والتى كانت مسرح واحدة من أعظم معارك وانتصارات الجيش المصرى الحديث بقيادة إبراهيم باشا فى مطلع القرن التاسع عشر، وتسكنها أغلبية من أصول عربية يضاف إليها أكراد وأتراك.

وتمتزج اللغات الثلاث، العربية والكردية والتركية، فى الحياة اليومية ومعاملات السكان على نحو شديد التلقائية يعكس بالفعل للغريب العابر واقع مجتمع محلى يتعايش بسلمية وتسامح مع التعددية اللغوية والثقافية والعرقية الحاضرة به.

لكن محدثىّ من أهل ماردين دأبوا على تنبيهى إلى أن التعايش السلمى مع التعددية هذا وإن اتسق مع تاريخ المدينة الطويل، إلا أنه همش فى عقود تسلط المؤسسة العسكرية التركية على الحكم ونزوعها إلى إنكار التعددية وفرض هيمنة الأتراك على الأكراد والعرب وغيرهم من المجموعات العرقية.

ولم تستعد ماردين رونق التعايش السلمى سوى مع بدء الإصلاحات الديمقراطية فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى واستقرار الانتخابات النزيهة والدورية كآلية لاختيار ومحاسبة المسئولين على المستويين الوطنى والمحلى وهو ما رتب احترام هؤلاء لإرادة المواطنين والعمل على التعبير المتوازن عن مصالح مجموعاتهم المختلفة، على الأقل فى حده الأدنى.

وللتدليل، أشار محدثىّ أكثر من مرة إلى كون الرئيس المنتخب الحالى لبلدية ماردين من أصول عربية وإلى وجود عدد معتبر من المعاونين ذوى الأصول الكردية فى إدارات البلدية وهو ما يختلف جذريا عن أوضاع الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.

ــ بالقطع لم يقدم أهل ماردين العرب والأكراد الذين التقيت بهم صورة خالصة الإيجابية لواقعهم الراهن، بل عرضوا أيضا لمعوقات المساواة الكاملة بينهم وبين الأتراك ونواقص حقوق المواطنة التى يعانون منها، وأهمها محدودية تمثيلهم فى المواقع التنفيذية الوطنية والقيود المفروضة على الأحزاب السياسية المعبرة عنهم وغياب الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية ثانية.

ينبغى الإشارة أيضا إلى الأوجاع الأخرى الخاصة بالأكراد وهى فى المجمل ترتبط باستمرار التعامل القمعى مع حزب العمال الكردستانى على الرغم من مبادراته السلمية المتعاقبة ورفض السلطات التركية العفو عن زعيم الحزب عبدالله أوجلان الذى يقضى عقوبة السجن مدى الحياة.

على الرغم من ذلك، لم يقلل أى ممن التقيت من الأكراد أو العرب وعلى تنوع مواقعهم من مسئولين تنفيذيين إلى أكاديميين مرورا بصحفيين وحزبيين من أهمية الإصلاحات الديمقراطية وتداعياتها الإيجابية وشدد العديد منهم على أن المستقبل القريب سيشهد المزيد من التحسن فى أوضاعهم.

هنا، تلمحوا أعزائى القراء، أحد جوانب عبقرية الديمقراطية كنظام لإدارة علاقة الدولة بالمجتمع والمواطنين، ألا وهو ثقة المواطنين الراسخة بالقدرة على دفع التغير الإيجابى إلى الأمام وتسليمهم الواقعى بأنه ــ أى التغير ــ لا يحدث بين ليلة وضحاها بل يتبلور تدريجيا.

ــ وعلى نقيض المجالس المحلية والبلدية غير الفعالة والفاسدة فى الدول السلطوية، تقدم بلدية ماردين نموذجا لما يمكن للآليات الديمقراطية أن ترتبه حين تستقر على المستوى المحلى. نجح الرئيس المنتخب لبلدية ماردين، وهو عضو فى حزب العدالة والتنمية الحاكم على المستوى الوطنى والمسيطر على العدد الأكبر من البلديات، فى رفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة للسكان، وتطوير برنامج ثرى للغاية لتثقيف السكان وتشجيع تعلم اللغة العربية والكردية، وشرع فى تنفيذ مشروع طموح يموله اليونسكو لترميم وإحياء مبانى ماردين التاريخية وهى إما كنائس وأديرة سريانية (أشهرها دير الزعفران) أو مدارس إسلامية (أشهرها المدرسة القاسمية واللطيفية) ووضعها على قائمة اليونسكو لتراث الإنسانية أملا فى تشجيع السياحة الداخلية والخارجية.

الهام هو أن ندرك أنه على الرغم من أن ترميم المبانى التاريخية يقتضى إزالة الكثير من التعديات والمبانى السكنية الحديثة التى تشوه واجهة المدينة ومن ثم يتطلب ترحيل بعض السكان، إلا أن أغلبية ساحقة من أهل ماردين يقفون وراء خطة رئيس البلدية بل ويقال إنها كانت العامل الفصل فى نجاحه الانتخابى. قارنوا أعزائى القراء بين مثل هذه الوضعية الإيجابية لبلدية منتخبة وبين أحوال المجالس المحلية فى مصر التى يسيطر عليها الحزب الوطنى منفردا ويخنقها الفساد والمحسوبية وسوء الأداء.
ــ شاهدت فى ماردين أيضا بعض التداعيات المباشرة لسياسة حكومة العدالة والتنمية تجاه جوارها المباشر والقائمة على مبدأ لا صراع (صفر من الصراعات فى الخطاب الرسمى التركى) مع الجوار وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع بين تركيا من جهة وسوريا وإيران والعراق وأرمينيا وغيرها من جهة أخرى.

اليوم يستطيع أهل ماردين العرب والأكراد التواصل مع أقربائهم فى العامودة وقامشلى السوريتين وفى كردستان العراقية، ويأتى لماردين الكثير من شباب المدن السورية الواقعة على الحدود للعمل والإقامة. ليس فقط أن الديمقراطية تفرض التعايش السلمى كمبدأ لإدارة العلاقة بين العرب والأكراد والأتراك، بل تحفز على طبعنة العلاقات مع شعوب الجوار وصياغتها على نحو يخدم المصالح المشتركة.

فما أبعد ذلك الوجه الجميل عن الوجه القبيح الذى أظهرته تركيا فى الماضى بصراعاتها المستمرة على الموارد المائية مع سوريا وحملاتها العسكرية المستمرة ضد الأكراد فى العراق.
أما آن الأوان لمصر لتسير فى ذات المسارات الإيجابية للديمقراطية؟
عمرو حمزاوي-الشروق