لماذا تشغلنا تركيا!
By admin | أربعاء, 02/24/2010 - 14:29
الكاتب:
تشغلنا تركيا منذ بداية القرن الحادي والعشرين لسبب آو آخر، ولكن الاهتمام بها تزايد في العالم العربي والمسلم مؤخراً بشكل ملحوظ وعلى مستويات متعددة. في البداية كان الخلاف في تركيا حول تداول السلطة بين العسكر وبين القوى الاجتماعية المختلفة لافت للنظر .. وعندما عاد التيار الإسلامي بوجوه شابة لينجح في تولي السلطة في تركيا .. تساءلنا في العالم العربي والمسلم .. متى سيحدث الانقلاب "المعتاد" على اختيار الشعب التركي، وتعود تركيا إلى عصور عدم الاستقرار والشقاء.
هذه المرة تأخر الانقلاب .. بل بدا أن الأمر مختلف، وأن العسكر في أزمة وأن استقرار الديمقراطية واختيار الشعب التركي الذي هو شرط الالتحاق بالاتحاد الأوربي هو الحبل الذي يكاد يشنق ويخنق من تنادوا له وتعلقوا به .. بدأ المهتمون بموضوع تبادل السلطة في المجتمعات المسلمة في الحديث عن أوجه الشبه والاختلاف بين تجربة تركيا، وواقع الحال في الدول العربية والإسلامية الأخرى .. وامتد النقاش ليتضمن مقارنة التجربة الحالية لحزب العدالة والتنمية المعروف بتوجهه الإسلامي مع تجارب إسلامية سابقة في تركيا لم يكتب لها البقاء في السلطة أو تقديم ما وعدت به الشعب التركي من إصلاحات وإنجازات .. الأمر بدا هذه المرة مختلفاً تماماً.
ثم بدأت المسلسلات التركية تزحف بهدوء على الإعلام العربي ولكن بإصرار وتكرار وبراعة لتفرض نفسها فجأة على شريحة أخرى من شرائح المجتمع العربي والمسلم .. وبدأ النقاش الاجتماعي يتزايد حول هذه المسلسلات التي أظهرت وجهين متقابلين ومتضادين عن تركيا .. مناظر طبيعية ساحرة .. ومجتمع يبدو أقرب للمجتمعات الغربية في بعض النواحي الأخلاقية والفكرية التي عكستها مسلسلات مثل "مهند ونور" وغيرها .. ولكن في المقابل كانت الحياة الاجتماعية لتلك المسلسلات أقرب بكثير لنمط الحياة العربية المعاصرة .. وكان النمط الشرقي في الحياة والتعامل مع المشكلات لافتا للنظر أيضاً .. هاجم الكثير من المفكرين والدعاة هذه المسلسلات بوصفها أعمالاً فنية تبث قيماً أخلاقية غير ملائمة، واشتد النقاش والحوار حولها، وأنها لا تمثل حقيقة الحياة في تركيا .. بل هي تعطس شريحة تمثل النسبة الأقل من المجتمع هناك، ولكن تسبب ذلك النقاش بغض النظر عن نتيجته أو جدواه في زيادة شهرة تلك المسلسلات، وزاد معها الاهتمام السياحي والثقافي بتركيا .. فقد اكتشف الكثيرون ـ ربما لأول مرة ــ أن تركيا بلد جميل، وأنها مقصد سياحي مناسب من ناحية القرب والتكلفة وتقارب العادات، في ظل تعمد السفارات الغربية التضييق على السائح العربي، وازداد الاهتمام بتركيا من ناحية أخرى.
وعندما اندلعت أزمة غزة والهجوم الصهيوني البشع عليها .. تفاجأ العالم العربي برئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوجان، وهو يزور غزة بعد الحدث مباشرة.. وتدمع عيناه بجوار أسرة الجرحى من أطفال غزة .. وتخرج الكلمات من فمه معبرة عن حزن غير مصطنع وألم حقيقي لما يحدث لأبناء فلسطين، وسمعنا لأول مرة رئيس وزراء تركي يتحدث مذكراً الصهاينة بـمقابلة فردية حول "أجداده العثمانيين" ودورهم في حماية اليهود عندما تنكر لهم العالم أجمع إلا المسلمون، وبين ما يفعله الكيان الصهيوني في تلك الأيام بأبناء فلسطين. قارن المثقفون والمفكرون بين موقف أردوجان .. وبين مواقف الكثير من القادة والرؤساء في بلادهم .. وزاد الإعجاب بتركيا والاهتمام بها أيضاَ .. وعندما غادر أردوجان قاعة منتدى دافوس احتجاجاً على ما قاله أحد قادة الكيان الصهيوني .. ارتفع الانبهار به .. وبتركيا مجدداًَ .. وأصبحت الشخصية السياسية التركية مثار اهتمام وحديث الكثير من المهتمين بالقضايا السياسية والفكرية في المجتمعات العربية والمسلمة، وظهرت أخبار تركيا في العديد من الصحف العربية في الصفحات الأولى والهامة بها، وهو ما لم يكن يحدث من قبل أبداً.
والتفت الكثير من رجال الأعمال خلال نفس الفترة إلى أن الشركات التركية والبضائع التركية قد تحسنت جودتها، وظهرت في أسواق مجتمعاتنا بوتيرة متزايدة .. وأصبحت الشركات التركية مكلفة بمشروعات ضخمة يهتم بها الإعلام العربي (كمطار القاهرة الجديد .. ومشروعات الطرق والأنفاق في السعودية .. وغيرها)، وتزايد الاهتمام بالتجارة والتبادل التجاري مع تركيا التي أصبحت تتحدث دائماً عن العالم العربي والإسلامي بوصفه أحد أهم مصادر النهضة التجارية لتركيا في الأعوام القادمة. وبدأنا نعرف أن تركيا قد أصبحت دولة قوية اقتصادياً، وأن إنتاجها القومي يضعها في المرتبة السابعة عشر بين دول العالم مقارنة بأكثر من 200 دولة، وأنها لو التحقت اليوم بأوربا لأصبحت سادس قوة اقتصادية في ذلك الكيان، وغير ذلك من الأرقام والإحصاءات الهامة.
اهتم الإعلام العربي أيضاً بنقل ما تعانيه تركيا من تعنت الاتحاد الأوربي في أن تلتحق به، وكان واضحاً أن السبب الرئيس في ذلك التعنت هو أنها دولة مسلمة، فلا يوجد أي تفسير آخر مقنع بعد أن دخلت في ذلك الاتحاد الأوربي دولاً أخرى أقل شأناً ومكانة. أكسب ذلك تركيا الكثير من التعاطف مع الشارع العربي والمسلم، وزاد من هذا التعاطف تأكيد قادة تركيا أن العالم العربي والمسلم هو الامتداد الطبيعي والتاريخي والحيوي لبلادهم، وأن تركيا، وإن كانت راغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي من ناحية، إلا أنها حريصة وبشدة ألا تفقد هويتها الإسلامية وتواصلها مع جيرانها من العالم العربي والمسلم، وهي لغة ونبرة خطاب لم يسمعها المجتمع العربي والمسلم طوال العقود التي سبقت العقد الماضي بهذه القوة والوضوح والتركيز.
وعل المحور الثقافي فاز كاتب تركي بجائزة نوبل في الأدب، وترأس رابطة العالم الإسلامي لأول مرة شخصية تركية (إحسان أكمل أوجلو) برز اسمها أيضاً، ولمع فجأة أيضاً في نفس تلك الفترة في إعلامنا اسم شخصية إسلامية تركية لم يعرف عنها العالم العربي إلا القليل من قبل، وهي شخصية الأستاذ "فتح الله جولن"، وهو أحد أبرز مفكري تركيا المعاصرين، وارتبط ذلك بفوزه في استفتاء أجرته أحد المجلات الأمريكية بلقب أهم مفكر معاصر في عالم اليوم، وتساءل الكثيرون، من هو "فتح الله جولن"؟ وكيف فاز بهذا الاستفتاء، وانتبه العالم العربي والمسلم فجأة أن هناك حركة إسلامية متصاعدة وقوية ومختلفة في تركيا، وأنها أحد القوى الفاعلة والرئيسة على الساحة الفكرية والاجتماعية في المجتمع التركي، بل وأنها أيضاً تمد أذرعها لتلامس اهتمامات وقضايا العالم العربي من خلال التعليم والصحة والحراك الفكري العام حول دور الإسلام في مستقبل العالم، وفي واقع الأمة.
اجتمع كل ما سبق، وغيره من العوامل الأخرى أيضا، ليزداد الاهتمام بتركيا بشكل غير مسبوق، ولكن صاحب هذا الاهتمام قدر كبير من عدم المعرفة بواقع تركيا اليوم .. بل أكاد أقول أن "الجهل بواقع تركيا" كان لافتاً ومحزناً بين الكثير من المثقفين والأكاديميين والساسة والمفكرين أيضاً. وأذكر أن أحد المفكرين المعروفين في بلادنا سألني عندما تكلمت عن نهضة تركيا المعاصرة وارتباطها بالإسلام وبشخصية الأستاذ فتح الله جولن، سؤالاً بدا عادياً له .. كان السؤال: "في أي عصر عاش الأستاذ جولن"!
ليس مهماً من تسبب في عدم معرفتنا بالتغيرات التي مر بها المجتمع التركي في العقود الأخيرة، ولكن الأهم هو أن نتجاوز هذا النقص المعرفي، ونستعيد معرفتنا بجزء عزيز من أمتنا المسلمة، ونتعرف من جديد على دولة تحاول أن تصعد في سلم التقدم المدني والعمراني والتقني دون أن تتخلى عن اعتزازها بهويتها ودورها وتطلعاتها في عالم أفضل تحتل فيه تركيا المكانة اللائقة بها، وتساهم أيضاً في أن يتعرف العالم من خلال ذلك التقدم على صورة أكثر إشراقاً ووضوحاً على العالم المسلم. نحن بحاجة إلى محاولة جادة لإعادة التعرف على تركيا .. ولردم الهوة المعرفية بين ما نجهله عن واقعها المعاصر .. وبين ما يجب أن نحيط به لنحسن التعامل والتفاعل معه مما يتعلق بأحد الدول الهامة في منطقتنا وأمتنا أيضاً.
- سجل دخول أو قم بالتسجيل لتستطيع التعليق

