ماركسي يدافع عن الإسلام !
By الكبير | ثلاثاء, 05/04/2010 - 11:41
الكاتب:
عندما رأيتُ مقال الأستاذ "مراد بلجه" يتصدره عنوان: فريد هاليداي، بدا تأثري لأول وهلة، وقلت في نفسي: واأسفاه! معنى ذلك أنه قدم إلى تركيا دون علم مني.
بيد أن أول جملة في المقال كانت تذكر أن الخسارة كانت عظيمة للغاية؛ حيث إن ذلك الايرلندي الشجاع قد رحل عن دنيانا بعد صراع طويل مع مرض السرطان.
فريد هاليداي من الأساتذة المحترمين في كلية الاقتصاد بلندن، ولكن ما النقطة المشتركة التي تجمعنا معه مع أنه لم يخف في أي وقت أنه ماركسي خالص.
أجل، هناك رابطة مهمة تجمع بيننا؛ لأنه كان مثقفا وعالما اجتماعيا، تحدى من ساروا على إثر صموئيل هنتنغتون في الغرب وحاولوا تأجيج نيران العداوة للإسلام.
التقينا به من خلال كتابه"الإسلام وأسطورة الصراع" الذي ترجم إلى اللغة التركية.أتذكر أنني تأثرت للغاية عند قرائتي لهذا الكتاب في تلك الفترة التي كان ينفذ فيها سيناريو صراع الحضارات على المستوى العالمي من خلال القيام بانقلاب الثامن والعشرين من إبريل الذي أطاح بحكومة نجم الدين أربكان.
كان فريد هاليداي متخصصا في شئون الشرق الأوسط، متابعا عن كثب ما يجري في ايران ومصر وفلسطين. ولما نقول الشرق الأوسط يتبادر إلى الذهن اسمان كان له بهما علاقة خاصة، وهما: أستاذه لوراند لويس، وصديقه ادوارد سعيد مؤلف كتاب الاستشراق. ولكنه كان يرى أن منهجيهما فيه شئ من القصور، وإن تلك النظرة التي طالما وضعت الدين في الصدارة تخفي حقيقة كبيرة وهي أن الشرق الأوسط جزء من العالم.
أما بالنسبة لمنهجه فكان يقول عنه: إنه منهج لم يتسمم بأفكار الشرق أو أفكار الغرب. فهو يرى مثلا أن "ماو" قد تسمم بأفكار عدد من الشخصيات في الشرق مثل الخميني، وفي الغرب مثل هنتنغتون وبوكانان صاحب مقولة" إن الصراع القائم منذ ألف سنة من أجل مصير البشرية هو ذلك الصراع بين الإسلام والمسيحية. فحتى وإن لم يكن هناك اتفاق بين المعسكرين إلا أن كليهما يقويان من بعضهما.
وجه هاليداي الضربة الأولى للصراع بين الحضارات، وقال إنه من قبيل الخرافة والأسطورة. ومزق القناع العلمي في الفكر، ثم ناقش الادعاءات المطروحة واحدة واحدة، وذكر أنها لا أساس لها من الصحة. فمثلا كان يقول معبرا عن عدم موافقته على الرأي الذي يدعم فكرة الإرهاب في الإسلام:"لم يكن المسلمون هم الرواد في مسألة الإرهاب التي أخذت تطفو على السطح لأول مرة في القرن التاسع عشر. فقد وقعت كثير من الحوادث الإرهابية في أيرلندا وسريلانكا رغم أنهما دولتان غير مسلمتين، وإن سياسة القمع وعدم التسامح المتجهة إلى مختلف الطوائف الدينية والعنصرية في مجتمع يحفل بالقلاقل والاضطرابات ليست موجودة في العالم الإسلامي فقط، بل كان تعامل المجتمعات الإسلامية في الماضي مع هذه النوعية من الطوائف أطهر وأشرف من غيرها من الناحية الجنائية. لم يكن المسلمون هم من أعد المحرقة ونفى اليهود من أسبانيا، بل على العكس احتضنهم المسلمون، مع أن ضحايا الإرهاب والقمع الآن في كثير من بلدان العالم الإسلامي مثل بورما وكشمير وفلسطين والبوسنة وكوسوفا هم الشعوب الإسلامية.
كما رفض هاليداي أيضا فكرة أن الغرب في حاجة إلى عدو لضمان وجوده؛ لأنه حتى لو تحرك المسلمون بأجمعهم فمن العسير عليهم تحدي الغرب.
تصدى هاليداي أيضا لفكرة عدم التناغم والتوافق بين الديمقراطية والإسلام، وكان يعتقد أن هذا الحكم نابع من أن الملَكية هي التي تحكم معظم دول الشرق الأوسط ، كما أن هذا الحكم ناشئ عن خصائص أخرى لهذه المجتمعات أكثر من الإسلام.
وقد ختم كتابه بجملة مألوفة للمسلمين؛ وهي اقتباس من القرآن الكريم يمكن القول عنه إنه يبتعد عن الصراعات الفكرية والتكتلات التي لا داعي لها" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..........."
هذا هو موقف هاليداي الماركسي من المسلمين، فيا ترى ماذا يعني لمن يعتقدون أن معارضة الإسلام في تركيا شرط لأن تكون يساريا؟
وفي حوار أجريناه معه قبل وفاته لخص هاليداي ما يقترحه من حلول لمشاكل الشرق الأوسط قائلا: " لابد من إقامة دولة فلسطينية مستقلة، تضم بين جناحيها جميع الأراضي التي احتلتها اسرائيل في فلسطين عام 1967م. أما بالنسبة للسعودية فعليها تفعيل الديمقراطية وإقامة مشروع الحكومة الدستورية. أما بالنسبة للتدابير العسكرية التي تلجأ اليها بعض البلدان بما في ذلك تركيا فينطبق عليها نفس المبدأ السابق، فالتدابير العسكرية وحدها لا يمكنها حل أي مشكلة."
مع خالص تعازينا وتقديرنا له.
جريدة الزمان
- سجل دخول أو قم بالتسجيل لتستطيع التعليق

