من اسطنبول "الزراع الأتراك أحسنوا الحرث والبذور فجاء الحصاد طيباً"
By الكبير | أربعاء, 12/07/2011 - 13:22
الكاتب:
قَيضَّ الله لي، أن أُمضي اليوم الأول من العام الهجري الجديد في اسطنبول، ولاستقبال العام الهجري الجديد في اسطنبول طعمٌ آخر. ليس لأن اسطنبول واحدة من أهم الدلائل على صدق نبوّة رسول الله، وعلى تحقيق بشاراته عندما قال عليه السلام: (لتفتحنَّ القسطنطينية، فنعمَ الأميرُ أميرُها ونعمَ الجيشُ ذلك الجيش). وليس لأن اسطنبول آخر أعظم عواصم الإسلام التي أنقذت الأمة من الضياع والتفرق، وبدأت معها دورة نهوض جديدة، جعلت جيوشها تقف على أسوار فينّا، ذوداً عن بيضة الإسلام، وإعلاءً لكلمة الله، وإخراجاً للناس من جور الحكام إلى عدل الإسلام، ونشراً لمبادئه في الحق والعدل والحرية والمساواة.. والتي لخصها أمير المؤمنين الفاروق عمر بمقولته المشهورة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) بعد أن جعل المواطن المسيحي القبطي، يجلد ابن والي مصر العربي القرشي، أحد دهاة العرب عمرو بن العاص قائلاً له: "إضرب ابن الأكرمين"، مجسداً حقيقة الدولة في الإسلام، كما أسسها رسول الله عليه السلام في يثرب، وفق وثيقة المدينة. دولة مدنية، يتساوى فيها الناس بحقوق المواطنة وواجباتها، بصرف النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم وعرقهم. وأولها حرية الاعتقاد (لا إكراه في الدين) بعيداً عن مفهوم الكهنوت، ولاهوت الغلبة الذي صبغ الدول التي قامت في حماية الكنيسة وباباواتها، ووفق مفاهيمهم الكهنوتية للدولة، والتي تضفي القداسة على الحكام ورجال الدين، وهي القداسة التي مزقها الإسلام, وجعل التقوى هي مقياس التفاضل بين البشر، عربيهم وأعجميهم، أبيضهم وأسودهم، وأصفرهم وأحمرهم.
ليس لهذا فحسب، يكون لاستقبال العام الهجري الجديد في اسطنبول طعمٌ مميزٌ. بل لسبب آخر، ليس له علاقة بماضي الأمة العظيم. بل بمستقبلها المشرق. الذي بدأت ملامحه تبدو واضحة مشرقة مستبشرة على أيدي أبناء تركيا المسلمة، الذين حققوا خلال السنوات القليلة الماضية تحولات كبرى، جعلت بلدهم رقما صعباً في المعادلات الإقليمية والدولية سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، واجتماعياً. ولم يأت هذا كله من فراغ، بل هو تباشير حصاد عقود من الكد والجهد في الزراعة، والرعاية، والتربية. لإنشاء جيل جديد مؤمن، يصنع لتركيا ولأمتها الإسلامية المستقبل الذي ترنو إليه، والذي بدأت تباشيره تلوح في الأفق بعد ان أتقن الزراع الأتراك حرثهم وبذرهم. فجاء ثمرهم طيباً يسر الناظرين وهو مصدقاً لقوله تعالى: ?محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكعاً سُجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فأستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً? (الفتح:29) وفي مقدمة هؤلاء الزراع يقف البكاء الذي روى بدموعه أرض تركيا، وغسل بهذه الدموع قلوب أبنائها، فأزال عنها الغشاوة، فاستنارت بصائرهم، أعني الأستاذ الداعية الشيخ محمد فتح الله كولن، مرشد حركة الخدمة الإيمانية القرآنية، الذي استقبلنا وكوكبة من إخواني وأخواتي رأس السنة الهجرية في كنفهم ورعايتهم وكرم ضيافتهم. فشعرنا بحلاوة الأخوة بالله. وبعظمة الخُلق المسلم وأوله التواضع، وإنكار الذات، وعظمه التضحية بالمال والولد، في سبيل الله، مروراً بكل الأخلاق التي تليق بالإنسان، الذي كرمه خالقه. وعبر هذا الشعور بحلاوة الاخوة بالله نتعلم من هؤلاء المؤمنين عظمة الإسلام، ومعاني أيامه، ودلالات وقائع تاريخه، وعظمة سيرة نبيه، كل ذلك بالقدوة الحسنة، وبالتجسيد العملي لمعاني الإسلام، ومنها معنى الهجرة النبوية، كما أفهمه الأستاذ فتح الله لتلاميذه، وما أكثرهم. وأول ذلك أن الهجرة قانون إلهي سرى أول ما سرى على أنبياء الله ورسوله، ابتداء من آدم عليه السلام وهجرته من السماء إلى الأرض، ثم نوح وسفينته، ثم الخليل إبراهيم، ثم الصديق يوسف، ثم موسى، ثم عيسى، وصولاً إلى خاتم أنبياء الله ورسله، محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. فقد مارسوا جميعاً الهجرة في سبيل الله بصورة من صورها. تاركين الوطن والأهل والولد، في سبيل الهدف المتمثل في إعلاء كلمة الله ونشر دينه.
لقد زرع الأستاذ فتح الله كولن في نفوس وعقول تلاميذه، مفهوم الهجرة في سبيل الله، كقانون الهي، على المؤمن أن يقبل به ويتخذه سبيلاً، من سبل نشر دين الله خاصة وان الهجرة كثيراً ما تكون هي السبيل الوحيد أمام المؤمن المبتلى، أو المؤمن المتشوق لنشر كلمة الله. وبذلك تصبح الهجرة جزءاً من بحث المسلم المبتلى عن الحل والبديل، عندما تضيق عليه أرض وطنه ويجحده قومه. وأداة من أدواته وهو يسعى لنشر دينه بين الناس باعتبار ان محمداً عليه السلام بعث بالدين الخاتم لكل الناس. ولعل تكليف المسلم بالهجرة اشد ما يكون وضوحاً في قوله تعالى: ?ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيرة واسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما (النساء:100).
لقد فهم تلاميذ مدرسة الخدمة الإيمانية بتوجيه من مرشدهم الشيخ محمد فتح الله كولن، هذا التكليف الرباني حق الفهم. فجسّدوه في حياتهم العملية هجرة إلى مختلف بقاع العالم، ينشرون كلمة الله ودينه بالتي هي أحسن. وهل أحسنُ من الخلقُ الحسن الذي يجسد الإسلام على حقيقته، خيراً للبشرية كلها وخدمةً للإنسان الذي كرمه خالقه؟! وهل هناك أفضل وأسمى خدمة تقدم للإنسان خيراً من إخراجه من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم والمعرفة؟! وهو ما يفعله أبناء حركة الخدمة الإيمانية، تلاميذ الأستاذ فتح الله كولن الذي اعتبر الجهل العدو الأول للأمة، فاندفع تلاميذه يحاربون الجهل بالعلم، فأخذوا يتسابقون على إقامة المدارس والمعاهد والجامعات بأموالهم، وبما جمعوه من الخير، فصار عدد المدارس والجامعات التي أقاموها يزيد عن الأربعة آلاف مدرسة، وما يقارب الثلاثين جامعة، نصفها في تركيا، ونصفها الأخير ينتشر في قارات العالم كلها. وعلى أرض أكثر من مائة وخمسٍ وستين دولة، كلها تنشر العلم والمعرفة وفق أحدث التطورات العلمية وأرقى المواصفات والمقاييس وأدقها. ومعه تنشر الإيمان والأخلاق فتتحول المدرسة إلى محضن لبناء جيل مؤمن يتحلى بالخلق، ويرتبط أفراده بالأخوة المبنية على المحبة والإيمان. ويتحول العلم إلى وسيلة لإسعاد البشرية بدلاً من شقائها، عندما تصبح منتجاته أسلحة دمار شامل على أيدي الذين يجردون العلم من الخلق والإيمان، على خلاف ما تفعله مدارس حركة الخدمة التي صار الناس يتبارون على تسجيل أبنائهم فيها لتفوقها في البناء العلمي والمعرفي، ولتميزها في البناء الأخلاقي والمسلكي، يتساوى في هذه المباراة المسلم والمسيحي، والكتابي، وغيره، بعد أن لمس الجميع إخلاص القائمين على هذه المدارس والعاملين فيها وسعة أفقهم الإنساني بعد أن فهموا أن الإسلام دين رحمة للبشرية كلها.
ومثلما يهاجر أبناء حركة الخدمة الإيمانية، من وطنهم تركيا إلى كل أصقاع العالم نشراً للعلم، ومعهم الخلق الرفيع عبر مدارسهم وجامعاتهم، وقبل ذلك سلوكهم ونمط تعاملهم, فإنهم يهاجرون إلى حيثما يحتاجهم الإنسان الذي يبتلى بمصيبة أو كارثة طبيعية، أوغير طبيعية كالزلزال والفيضانات والبراكين والحروب. يقدمون له العون والمساعدة مجسدين رحمة الإسلام للناس كلهم بصرف النظر عن دينهم أو لونهم أو جنسهم أو عرقهم. فقد تربّوا على (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم لله انفعهم لعياله)، وهذه واحدة من مرتكزات التصور الإسلامي للعلاقة بين البشر، لخصها الإمام علي بقوله: "الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".. وبهذا يجسد أبناء حركة الخدمة الإيمانية الهجرة النبوية تجسيداً عملياً، فمثلما هاجر رسول الله وصحابته نشراً لدين الله يفعلون هم ذلك في زمان الناس هذا.
إن استقبال عام هجري جديد في صحبة تلاميذ مدرسة الخدمة الإيمانية يكشف أبعاداً كثيرة من معاني الهجرة النبوية، نماها الأستاذ فتح الله كولن في قلوب تلاميذه مستلهماً إياها من سيرة رسول الله عليه السلام، خاصة خروج صحابته عليهم رضوان الله إلى الحبشة في الهجرة الأولى، والهجرة الثانية، ثم خروج رسول الله عليه السلام إلى الطائف، ثم هجرته إلى المدينة المنورة. ذلك ان المؤمن مأمور بعدم اليأس وعدم الاستسلام لواقعه، بل عليه السعي لإيجاد البدائل، حتى لو اضطره الأمر إلى مغادرة وطنه في سبيل دعوته. فلو استسلم الإخوة في تركيا لبطش العسكر والعلمانيين والملاحدة، وقبلوا بسياسة الإلحاد التي كانت منهجا للدولة ونمطا للحياة فرض على الناس، لما كان حال تركيا على ما هي عليه اليوم، قوة صاعدة يعتز أبناؤها بالانتماء إليها وبعودتهم للإسلام كدين وهوية. ذلك ان الدعاة إلى الله من أبناء الشعب التركي المسلم، لم يستسلموا لبطش الدولة ولسياسة التجهيل والإلحاد، ولكنهم هاجروا إلى الله ورسوله فابتكروا أساليب للدعوة وللحفاظ على هوية تركيا المسلمة، وها هو الشعب التركي يستعيد هويته الحضارية سعيداً بدينه وتاريخه. بعد أن عمل لذلك وأخذ بأسبابه. وأول ذلك تحديد الهدف والثبات على المبدأ ووضوح الرؤية وإخلاص النية والعمل، لأن العمل في عرف هؤلاء عبادة يتقربون بها إلى الله عز وجل، لذلك ترى المعلم والمعلمة في مدرسته يتعامل مع الطالب أباً حنوناً أو أماً رءوماً أداء لأمانة العلم وتجسيداً لدور المعلم في الإسلام. كما ترى الصانع متقناً لصنعته. والتاجر أميناً في تجارته.
وإذا كان الإخلاص من أهم أسس النجاح، فإن الهجرة من أهم وسائل الداعية لتحقيق هدفه في نشر رسالته خدمة لدين الله آخذين بعين الاعتبار، أن التضحية بالمال والوقت وبراحة النفس أثمان لا بد من أن يؤديها المرء المهاجر حتى توتي الهجرة أكلها وتحقق هدفها، وهو ما يفعله أبناء حركة الخدمة الإيمانية الذين يجسدون مفاهيم الهجرة النبوية في حياتهم اليومية. وأول المفاهيم التي يجسدونها: الانضباط، وحسن التنظيم، وسلامة التخطيط، وكمال الاستعداد، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خطط ونظم واستعد لهجرته من مكة إلى يثرب. وهو ما يسعى إلى فعله شباب وكهول تيار الخدمة الإيمانية، وكل منهم يهاجر إلى بلد من بلدان العالم فاتحاً لمدرسة أو مقدماً لعون، مستهينا في سبيل ذلك بكل الصعاب وأولها فراق مدارج الطفولة والصبا، وملاعب الشباب ثم فراق الأهل والولد، مضحياً بالغالي والنفيس من متاع الدنيا. وهل أعظم من التضحية بالمال والنبوة وهما زينة الحياة الدنيا؟ وهل أشد ألما من الإحساس بالغربة والحنين إلى الوطن قسوة؟! لكنها التضحية التي تهون في سبيل العقيدة والمبدأ، وهي القسوة التي تتحول برداً وسلاماً عندما يتمكن المهاجر من فتح القلوب، فيصبح الناس كلهم اخواناً وبيوتهم بيته. كما يفعل المهاجرون في سبيل الله من تلاميذ ورجالات مدرسة الخدمة القرآنية تنفيذاً لتوجيهات مرشدهم الذي علمهم كيف يجسد المسلم سيرة رسوله، ويجعلها حياة يحياها. لذلك فإن الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية عند هؤلاء ليس شقشقة لسان لا تسمن ولا تغني من جوع.. لكنها ممارسة عملية تطهر قلوبا وتحيي أخرى، فطوبى لمن هاجر في سبيل الله وهو مطمئن إلى أجر الله وفرجه، كما يفعل المهاجرون إلى الله من اسطنبول وكل شقيقاتها من مدن الأناضول وسائر تركيا.
في تركيا تعلمنا دروساً في معاني الهجرة النبوية. ومن اسطنبول يخرج مهاجرون من مدرسة الخدمة يسعون إلى تجسيد معاني هجرة رسولهم ونشر دين ربهم وإعلاء كلمته.. فسلام على اسطنبول, وسلام على كل المهاجرين منها في سبيل الله.
- سجل دخول أو قم بالتسجيل لتستطيع التعليق

