السبت 19 May 2012

 

الحلقة المفرغة

الكاتب: 

ترجمة: مجدي سعيد
طبقا لجورج سوروس فإنه لا توجد أية دلائل على أننا قريبون بأي شكل من قاع تلك الأزمة. في الماضي كانت الأزمات تأخذ شكل حرف "U". حيث كانت تصطدم بالقاع ثم ترتد. لكن الأزمة الحالية تأخذ شكل حرف "L". حيث – ليس فقط- لا يمكن رؤية القاع، لكن –فوق ذلك- فإن الأزمة ما زالت مستمرة.
يفسر جورج سوروس لماذا تعد الأزمة الحالية أسوأ من أزمة 1929، إذ يشير إلى ملاحظة أن الاقتصاد الليبرالي المفروض على العالم منذ حقبة رونالد ريجان ومارجريت تاتشر قد فشلت وأضاف أن الأزمة الحالية لن تكون فقط ذات عواقب اقتصادية بل ستكون لها آثار سياسية عميقة. وهنا يجب أن نؤكد على النقاط التالية:
1-أن الأزمة عالمية، مركزها الاجتماعي-الاقتصادي هو الولايات المتحدة، بينما مركزها الفلسفي والفكري هو أوروبا.
2-أنها أزمة الحداثة.
3-عدم القدرة على الشعور بالحراك الإنساني، إذ إن هناك هجرة بشرية كبيرة لا يستطيع العالم الحديث فهم أبعادها.
فعلماء الاجتماع لم يجدوا بعد تفسيرا مقنعا لظاهرة الهجرة البشرية الكبرى الثالثة. فحتى الآن كانت هناك ثلاث هجرات بشرية كبرى، الأولى كانت في انتقال البدو للعيش في مستوطنات دائمة، وقد تم الإحساس بآلام هذا التحول في جميع أنحاء العالم. وقد جاءت الهجرة البشرية الكبرى الثانية مع الثورة الصناعية، حيث هاجر الناس من القرى والمناطق الريفية إلى المدن.
واليوم في القرن الحادي والعشرين، يتحرك الناس من الضواحي إلى مراكز المدن. وقد أدت كل من الحداثة، وتركز الأنشطة الصناعية، واضمحلال الزراعة والكوارث البيئية المستمرة وزيادة الهجرة من الشرق إلى الغرب وزيادة الجرائم السياسية والحروب..كل ذلك قد أدى إلى هذا الحراك الثالث.
على سبيل المثال، بعد الغزو الأمريكي للعراق وجد 4.5 مليون عراقي أنفسهم مدفوعين إلى التحرك للخارج، بينما يعيش 2 مليون كلاجئين في بلدهم. وفي البوسنة لايزال يوجد 400 ألف من البشر ينتظرون العودة إلى منازلهم. وفي الشيشان نزح 400 ألف بسبب الحرب، بينما نزح مليون من آذربيجان أثناء الحرب في منطقة الجبل الأسود. بينما في أفغانستان نزح 4.1 مليون نسمة ويعيشون كلاجئين. بينما يعيش 700 ألف إريتري في السودان كلاجئين.
طبقا لمعلومات تقرير شعبة الأمم المتحدة للسكان لعام 2008، من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 7 بلايين نسمة. وفي كل يوم يتحرك 200 ألف نحو المدن. وفي عام 2008 كان نصف سكان العالم يعيشون في المدن. وفي المدى المتوسط، يتوقع أن يمثل سكان الصين والهند 40% من سكان العالم. إن الهجرة إلى المدن وإلى مراكز المدن تفرض علينا التحديات التالية:
1-نتيجة لعدم العدالة في توزيع الدخل، يتوقع أن تزيد الصراعات زيادة أسية.
2-يتوقع أن يتعمق وينتشر الصراع العرقي.
3-تكتسب الحركات الهامشية أهمية متزايدة كما تحتل المجموعات الهامشية أماكن مفتاحية تتناقض مع الأخلاق الاجتماعية العامة.
4-سوف يزداد احتمال العنف في أواسط المدن. ومع ذلك فلن يكون العنف أحادي البعد ولن يكون مما يمكن توقعه، لكنه سوف يعبر عن نفسه في أشكال مختلفة.
في القلب الأزمة التي تبدو اقتصادية، تقبع مشاكل اجتماعية-سياسية وديموجرافية. ففي الطبقة الأولى من المشاكل يقع الاقتصاد، وفي الطبقات السفلى تقع المشكلات الاجتماعية- السياسية والمشكلات الديموجرافية، بينما تقبع في القاع الفوضى الأخلاقية والوجودية والمعرفية. وبعبارات أخرى، فإن الأزمة بصفة عامة هي أزمة وجودية، تطورت لتصبح مرضا معديا نزل بحضارة، ومنها ينتشر إلى العالم كله.
حينما ننظر أبعد من الطبقة الاجتماعية-السياسية ونحلل الطبقة المعرفية والمنطقة ذات الصلة بالوجود الإنساني، نرى عملية عزل عميقة تكتسب كامل القوة. ففي هذه الحقبة، فقد الوجود الإنساني معناه. فالإنسان يوجد بلا معنى وبلا ثقة، وتم كسر الإنسان المركز المعرفي في الإنسان. فقد كان من المفترض أن تمنح الحداثة للإنسان الحرية والثقة والازدهار. كان هذا هو الوعد الذي أعطته الحداثة للإنسان، لكنها فشلت في الوفاء بوعودها الثلاث. كما أنها انحرفت أخلاقيا عن محورها. أما من ناحية الاجتماع السياسي فقد تم جر الناس إلى فوضى عميقة.
أحد الأسباب الرئيسية في ذلك أن "النمو" لا زال هو الأيديولوجية السائدة. ورغم ذلك، فقد وصل النمو فعليا حدوده الفيزيقة والمادية. فلا يمكن أن يبلغ العالم فيزيقيا وماديا مدى أكبر من ذلك. فالنمو الزائد يؤدي إلى مزيد من استهلاك الموارد ومن ارتفاع عدد سكان الحضر، بينما تؤدي زيادة الاستهلاك وزيادة عدد سكان الحضر إلى المزيد من النمو. هذه هي الحلقة المفرغة، التي لا يستطيع الناس أن يخرجوا منها.
• مقال منشور على موقع "وورلد بوليتين" بتاريخ 14 مايو 2010: