السبت 19 May 2012

 

الخدمة الإيمانية في عهد الجمهورية

الكاتب: 

جاء في مقدمة كتاب (الخدمة الإيمانية في عهد الجمهورية) للأستاذ محمد ديكمان خريج كلية الالهيات ما يلي:
إن هذا العمل الذي بأيديكم يتحدث بانفراد عن بعض القادة الروحانيين البارزين في عهد الجمهورية وعلى رأسهم بديع الزمان سعيد النورسي. كما يتناول الكتاب نماذج من التضحية وانكار الذات في الخدمة التي بذلها هؤلاء الأفذاذ رغم الظروف الصعبة التي حاقت بهم.
استهل الكاتب نماذجه بعرض جملة من نماذج التضحية والصبر لبديع الزمان سعيد النورسي الذي يحتذي به كافة قادة الجماعات الإسلامية.
والآن لنطلع على هذه اللوحة التاريخية من كتاب (الخدمة الإيمانية في عهد الجمهورية):
يروي لنا "أحمد جوموش" من طلاب الأستاذ النورسي هذه الحادثة، فيقول: "ذهبت لزيارة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في ربيع سنة 1956م. في تللك الاثناء حكمت محكمة أفيون ببراءة الأستاذ النورسي بعد ثماني سنوات مرت في المنفى. فسر الأستاذ كثيرا، ونبهنا إلى أن أي عمل نعمله إنما هو من أجل كسب مرضاة الله، ولذا لابد وأن نتحرك من منطلق هذه الغاية، كما أكد على أن الأعمال والأفعال أبلغُ تأثيرا من الكلام، ثم وضح لنا المنهج الأساسي الذي لابد وأن تسير عليه الخدمة قائلا:
"ليس هناك إنسان يتعذر كسبه إلى أحضان الإسلام. فكل إنسان يشبه قصرا يحتوي على مائة باب، ولا ريب أنه من الممكن الدخول من أحد هذه الأبواب والولوج إلى قلب هذا الإنسان. ولو أغلقت 99% من هذه الأبواب المئة في الإنسان نتيجة ما أعملته فيه سهام زنادقة أوربا ومنافقي أسيا منذ الف سنة ومحاولتهم تضليل وخداع شباب هذه الأمة التركية الأصيلة فلابد وأن يكون هناك باب واحد تقتضيه الفطرة، ومفتوح دائما على الحقيقة. فإذا ما تم اكتشاف هذا الباب المفتوح بالفراسة الإسلامية فستنفتح عقبة الأبواب الأخرى على الإسلام، كما ينفتح ذلك الانسان نفسه. ولكن لابد وأن نبلغ ذلك الإنسان دعوة ربنا جل وعلا بإخلاص وبأسلوب يتفق مع فطرته ومن دون عجلة. أما إذا دخلنا معه في حوارات ومناقشات لا داعي لها وهجمنا على الأبواب المغلقة فيه لنفتحها عنوة فربما أدى هذا إلى انغلاق الباب المفتوح أيضا. ومن ثم يجب على الخدمة ألا تنسى هذه الحقيقة المهمة.
إن الأستاذ ينبهنا بمثل هذه الكلمات الإرشادية إلى ما ينبغي أن نكون عليه من صبر واحترام. ويشير إلى أن لهذا الإنسان الذي تعذر علينا كسبه بابا لم نتمكن من فتحه. وقد ضرب هو نفسه أروع الأمثلة في الصبر والتحمل من أجل الخدمة رغم الصعوبات الشديدة التي أحاطت به، ومن ذلك ما رواه لنا "ابراهيم منجوفرلي" وهو طالب آخر من طلاب الأستاذ النورسي:
"كنت أعمل بالشرطة العسكرية في أميرداغ، وذات يوم استدعاني قائد السرية، وقال لي: سنستأجر بيتا لبديع الزمان، فإذا كان هناك بيت هنا تعرفه ويصلح للإيجار فاستاجره" ولكنه اشترط عليَّ أن يكون هذا البيت في قبالة مركز الشرطة، وتحت إشرافه.
كان هناك أمام مركز الشرطة بيت لرجل يدعى "باقيرجي حسن"، لكن هذا الرجل كان يشرب الخمر ليل نهار. فذهبت إلى السوق، وعرجت على محل باقيرجي حسن، وذكرت له أننا نريد أن نستأجر الطابق الأعلى من بيته لبديع الزمان. فأجابني معربا عن تردده ومخاوفه قائلا:إنني رجل سكير، وهو شيخ كبير، فما الرأي إذن، لا أدري.. فجئت الأستاذ النورسي وأخبرته أن هناك بيتا للايجار أمام مركز الشرطة ولكن صاحبه سكير. وانتظرت أن يستشيط الأستاذ غضبا، ولكنه ضرب لي أروع مثال في الصبر والتحمل، وقال لي: حسنا يا أخي، استأجر لنا هذا البيت، ولا ضير. فأسرعت إلى صاحب البيت، وأخبرته بما حدث، وانتقلنا الى بيته في نفس تلك الليلة، وحملنا معنا متاع الأستاذ الزهيد. وبعد أن استقر الأستاذ في البيت وصل صاحبه، فالتفت إليه الأستاذ قائلا: تعال يا حسن أفندي، واجلس بجانبي، فأقبل الرجل في خجل وانكسار، وقال: تفضل يا شيخنا.فسأله الأستاذ: أتشرب الخمر؟فأجاب الرجل قائلا: أجل، أشرب الخمر ليل نهار، فوضع الأستاذ يده على ظهر الرجل وربت على كتفيه. وقال له: هيا، ستُعرض بعد ذلك عن هذا الشئ الذميم. ومنذ ذلك اليوم والرجل يصلي صلاة الصبح مع الأستاذ النورسي، بل إنه بعد ذلك ما حاول أن يضع في فيه أي جرعة خمر، وأصبح مسلما كاملا يصلي جميع الصلوات المفروضة.
بعدما شهدتُ هذه الحادثة أصبح عندي احترام كبير وثقة لا تتزعزع بالأستاذ النورسي.وكان يصيبني الإعجاب والدهشة من صبره وتحمله على كل المضايقات التي كان يتعرض لها. وما كان هذا النجاح الذي حققته الخدمة اليوم إلا نتيجة هذا النوع من الصبر والتحمل.
إن كتاب(الخدمة الإيمانية في عهد الجمهورية) مؤلَّف قيم مفعم بأمثلة خدمية عظيمة ضربها لنا جميع رواد الجماعات من سليمان أفندي وحتى نجيب فاضل. إن من عرف ماضيه وأوفى سيتخذ بفضل هذه المعلومات التي جاءت بالكتاب التدابير اللازمة لمستقبله، ويعمل في الخدمة بحماس وشوق شديدين.
مترجم عن الزمان التركية