آه يا إسلام آه!
By الكبير | اثنين, 05/31/2010 - 11:59
الكاتب:
بدأ حديثه كعهدنا به على الدوام حزينا مهموما متأثرا. كان يتحدث بهدوء وبجمل مفهومة وبأسلوب بسيط وبصوت يؤثر في النفس كثيرا.
كان يعزف بمعزفه المكسور على أوتار القلب. فأحدث كل معزف فيه صدى عميقا، وكأنه قد حمل على عاتقه جميع هموم الإسلام والبشرية وألامهما. لا أعرف غير هذا، ولكن هذا هو على الأقل ما أحس به، ولا أدري هل أسات الأدب مع الله أم لا، لكنني أشارككم همومي الآنية. لقد قلت في نفسي: ألا تخلو التلال العالية من الثلوج والعواصف؟ أليس من حق مثل هؤلاء الناس أن يتنفسوا الصعداء يا ربي؟ ألن تهب على حَيِّهم نسمات الربيع مطلقا؟
وبينما أنا في تلك الحالة الروحية إذا بالأستاذ يبدأ قراءة بعض مصاريع شاعر مهموم من أيام الهدنة (بعد الحرب العالمية الأولى)
مدن خربة، وبيوت متهدمة، وشعوب بلا قائد أو زعيم
جسور منهارة، وقنوات مُقوّضة، وطرق تخلو من المسافرين
ظهور ملتوية قد أعياها العجز، ورقاب رقيقة، ودماء لا تثور
رءوس لا تفكر، وقلوب لا تبالي، وأفئدة صدئة.
قهر، وأسر، وتحكم، ومذلة
رياء، وعادات سيئة، وأمراض مستعصية
دور لا توقد بها نار، قد نسجت العنكبوت خيوطها عليها، وغابات محروقة.
حقول بلا زروع، وبيوت نبت بها العشب، وحصاد عفن.
أئمة بلا جماعات، ووجوه قذرة، ورءوس لا تعرف السجود
متدينون عاجزون يقتلون إخوانهم في الدين باسم الجهاد.
بيوت مهجورة، وقرى خالية من أهلها، وأسقف منهارة.
أيامٌ انعدم فيها الجهد والعمل، ومساءات لم يفكر فيها أحد.
فهم من يعرفون الأستاذ فتح الله كولن أنه يتحدث عن الشاعر محمد عاكف.
لقد انطلق الأستاذ كولن من سرد أبيات للشاعر عطاء الله بهاء الدين والتي يقول فيها: "دخلت غرفتي، وأغلقت بابي، وأخذت أجهش ببكائي، بكيت حتى مساء ذلك اليوم، على غربة الإسلام وانحطاط المسلمين، بكيت..." ، ثم عرج على قصيدة "أكنت تتصور؟" المشهورة للشاعر محمد عاكف، والتي يستهلها بقوله: أكنت تتصور أن تثكل العبادة ودورها ، ويبكي الآذان من بَعدُ على هذا الجيل اليائس؟..........إن العقول ترتجف يا ربي، فما أفظعه من انقلاب! فما بقي دين ولا إيمان، لقد خرب الدين وتغبّر الايمان." ثم يختمها بقوله: " أما هناك يد كريمة مؤيدة من لدنك يا ربي؛ حتى تأخذ بأيدينا، وتخرج الشرق من ظلامه، وتأتي بالفجر المنشود".
أجل، لقد عشنا مثل هذا الوقت مرة أخرى، كان من المفهوم أنه سيتطرق في حديثه عن دواعي هذا المنظر المؤلم الذي صوره لنا محمد عاكف. فقد كان مجرى الحديث يدل على هذا. وحدث ما توقعته، فلقد أخذ بمجرد أن أنهى المصاريع يعبر عن أفكاره وعيناه محتقنتان بالدموع بكلمات تشبه المعزف أو السهم الذي يخترق قلب إنسان حساس قليلا: " آه عليك يا إسلام آه! لم نعمل على سبر أغوارك، ولم نبذل قصارى جهدنا للغوص في أعماقك، اكتفينا بما عثرنا عليه، وتدنت همتنا، أكلنا وشربنا وخلدنا إلى الراحة، واستلقينا على ظهورنا، لا أدري هل أجيال اليوم سيختلفون عن سابقيهم من أجيال الأمس، ولا يكتفون بما عثروا عليه، ويحكّون أعينهم ام إنهم بدلا من ذلك سيسبرون أغوارك ويعملون كل مافي وسعهم للإبحار في أعماقك."
بعد ذلك التفت حوله بهاتين العينين المحتقنتين بالدموع، وتفرس في وجوه جميع من حوله من أولهم إلى آخرهم ، ثم قال: " نأمل أن تقوموا أنتم بهذا، لقد عشنا طوال عمرنا وقلوبنا معلقة بهذا الأمل، نسال الله ألا يخزينا ويخيب أمالنا.". فأمّن جميع الحضور على دعائه.
واصل الأستاذ كولن حديثه أيضا وقت الاستراحة وقال:" ليتهم يبدون همتهم في هذا الأمر!." وفي إشارة إلى القانون الطبيعي الذي وضعه الله في الكون، قال: "لو كانوا جادين في جهودهم ومساعيهم لمَنّ الله عليهم بما يفتشون عنه."
حسنا، هل هناك مقياس للجدية؟
لم يدع الأستاذ كولن هذا السؤال الذي يرد كثيرا على العقول بلا إجابة، فقال: ربما يثقل هذا الأمر على كثير منكم، إن الانسان يلازمه شعور البحث عن المفقود، ولذا لابد من أن نفعِّل هذا الإحساس، فقد ضيعنا قيمنا منذ خمسة أو عشرة عصور، فلابد من العثور على هذه القيم مرة أخرى، والتضحية بكل غال ونفيس ، بل بالروح خمسين مرة في اليوم حتى نفعِّل هذه القيم من جديد، فاحملوا على عواتقكم مهمة البحث عما فقدتموه، فمقياس الجدية يكمن في إيجاده، ربما تأتي هذه الكلمات ثقيلة على مسامع الكثيرين منكم، إذا كان الأمر هكذا فانظروا إلى الأمر برؤية انسان تنازعه الأحزان والهموم. وسامحوني."
هل حدث قديما أن سُبرت أغوار الإسلام أم سيحدث مجددا؟ ما رأيه في هذه المسألة؟ فأجاب الأستاذ كولن على هذا السؤال؛ لأن له علاقة بسؤال طرح عليه وقت الاستراحة: " إن هذا السؤال يدور حول مفهوم التزكية والصفاء وعلاقتهما بالنفس والقلب، حيث إننا نستعمل كثيرا مفهومي: تزكية النفس وصفاء القلب".
بعدما عرض الاستاذ أمثلة لاستخدام هذين المفهومين في مجالات اللغة والأدب قال: " إن تزكية النفس وصفاء القلب كانا من الأمور العادية بالنسبة لجميع الناس في العهود التي كان يطبق الإسلام فيها بحق. ولكن الآن صارت المدارس الدينية خالية من طلابها، ودور العبادة فارغة من مصليها، والبيوت خاوية من ساكنيها، والشوارع عقيمة من المارين بها. لقد بات من غير الممكن أن نجد أناسا يملأون مثل هذه الفراغات. ولكن هل معنى ذلك أن تنزووا جانبا وتقولون: لا يمكن ولن يمكن.
كلا وألف كلا، واظبوا على ما قمتم به حتى الآن، وربّوا أفرادا واعين مسئولين أحرارا، لهم أرواح متطلعة، ولا يهملون أي ناحية من نواحي الحياة إلا وملأوها.
انظروا إلى شعبنا، لقد استطاع مع قلة الإمكانيات المادية والتي حتى لا تصل إلى عشرامكانيات الغربيين أن يصل إلى هذا المستوى الرفيع. ورغم كثرة المضايقات والاضطهادات في الداخل والخارج وصل إلى هذه المكانة، مع قلة الإمكانيات والرعاية صار له هذا القدر. ليتيحوا له كثيرا من الإمكانيات وسترون حينذاك من الاسد ومن النمر."
كان الكلام ينساب من فمه في تناغم غريب كانسياب الماء الجاري، ولكنه كان ينتقل من موضوع إلى آخر كالأمواج التي تضرب هنا وهنالك. ثم جاء الدور على العوائق التي تقف أمام عمليات الإحياء للأمة، والتي ستشكل النهاية لأهاته" آه يا إسلام آه".
كان الأستاذ كولن ينظر إلى المسألة من نواح متعددة، ويتناولها بجمل قاطعة. فنراه يقول" إن من لم يراعوا حق الله بحق لن يتمكنوا من مراعاة حق العباد، وإن الاعتداء على حق العباد، وحق عامة الناس، وحق الأمة يعد اعتداء على حق الله جل وعلا، وسيحاسب الله هؤلاء المعتدين على ما اقترفت أيديهم يوم القيامة. وإن من يعملون على انقسام الأمة وتمزيقها ، ويتحركون برؤية حزبية، ويقفون عائقا أمام المستقبل المشرق للأمة، فلن تشملهم رحمة الله، ولن ينعموا بريح الجنة".
ثم أُجهد وتعب، والحق أن الاستماع إلى حديث هكذا مشحون عن آخره بالأحاسيس والأفكار قد أجهدنا نحن كذلك. فكيف به هو؟، إلا ان عينيه هذه المرة لم تكن محتقنة او مبللة بالدموع، ولكن الدموع كانت تنحدر منها على خده وكأنها حبات لؤلؤ أمام أنظار الجميع. ورغم ذلك يواصل كلامه قائلا: ليت الله يقبض روحي وتنهض أمتي، ليت الموت - أيا كان هو- ينقضّ عليّ بكل ألامه وشدائده ألف مرة في اليوم وتُخلّد روح أمتي.".
لقد أدت هاتان الجملتان الاخيرتان إلى انحدار الدموع من أعين بعض الأرواح الحساسة وبعض القلوب الميتة الحاضرة في القاعة. من المحتمل أن الأستاذ كولن قد أراد أن يجعل هذا الجو الإيماني خليقا بأن تتغمده رحمة الله. ثم أنهى حديثه بهذه الجمل التي أمَّنَ عليها كل الحاضرين بالقاعة:" علينا مراعاة حق الله في كل لحظة في حياتنا، فحق الله واجبنا نحن أيضا، وإنني أرى أن صون هذا الحق لابد وأن يكون أقصى الغايات التي يصبو إليها إنسان يشعر بالمسئولية الملقاة على عاتقه. فاللهم اجعلنا ممن يحظون ببلوغ هذا الهدف الأمثل. آمين."
وكما بدأت بمحمد عاكف أختم به أيضا:
"مذبذب بين الشرق والغرب، ويفتقر إلى الأداب والسلوك، كل رأس ماله يتمثل في وجه وقح وعين جامدة لا تدمع"
إن كل من يدخل ضمن هذا الصنف الذي وصف محمد عاكف ليس له نصيب من هذه الجلسة الإيمانية.
- سجل دخول أو قم بالتسجيل لتستطيع التعليق

